بيانية كونها نشوئية ابتدائية .
والذي ينبغي أن يقال : إنّ البحث في كون ( من ) تبعيضية أو بيانية لا يرجع إلى ثمرة محصّلة ؛ فإنّ الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمور لو وجبت لكانت بحسب طبعها واجبات كفائية ؛ إذ لا معنى للدعوة والأمر والنهي المذكورات بعد حصول الغرض ، فلو فرضت الامّة بأجمعهم داعية إلى الخير آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر كان معناه : أنّ فيهم من يقوم بهذه الوظائف ، فالأمر قائم بالبعض على أيّ حال ، والخطاب إن كان للبعض فهو ذاك ، وإن كان للكلّ كان أيضاً باعتبار البعض .
وبعبارة أخرى : المسؤول بها الكلّ والمثاب بها البعض ؛ ولذلك عقّبه بقوله :
« وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ » ،
فالظاهر أنّ ( من ) تبعيضية ، وهو الظاهر من مثل هذا التركيب في لسان المحاورين ولا يصار إلى غيره إلّابدليل » « 1 » .
وأمّا الإجماع فقد ادّعي قيامه بقسميه - نقلًا وتحصيلًا - بين المسلمين قاطبة على وجوبهما « 2 » .
إلّاأنّ الإجماع واضح المدركية فلا يكون مستنداً في المقام .
وأمّا العقل فلا إشكال في دلالته على رجحان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر « 3 » ، لكن اختلفوا في أنّ العقل هل يستقلّ بذلك بحيث يحكم باستحقاق تاركهما العقاب وفاعلهما المدح من دون حاجة إلى ورود الشرع بذلك أم لا ، بل لابدّ من الشرع ليبيّن للعقل ذلك فلا يدركه بدونه ؟
ويظهر من كلمات الفقهاء وجود قولين في المسألة :
الأوّل : أنّ الوجوب عقلي ، وأنّ العقل يستقلّ بذلك عن الشرع ، وهذا ما ذهب إليه غير واحد « 4 » .
واستدلّوا على ذلك بأدلّة مختلفة :
هامش
( 1 ) الميزان 3 : 373 .
( 2 ) جواهر الكلام 21 : 358 . مباني المنهاج 7 : 138 ، 140 . وانظر : المهذب البارع 2 : 325 . الروضة 2 : 410 .
( 3 ) جواهر الكلام 21 : 358 - 359 .
( 4 ) الاقتصاد : 247 . القواعد 1 : 524 . المختلف 4 : 471 . الدروس 2 : 47 . كنز العرفان 1 : 404 . التنقيح الرائع 1 : 591 - 592 . الروضة 2 : 409 .