أحوال المجتمع البشري وأوضاعه ويقوده إلى الكمال الذي خلق له ، فلا يجوز لغير اللّه سبحانه وتعالى أن يأمر وينهى ويحرّم ويحلّل .
وقد صرّح القرآن الكريم بأنّ المشرّع الوحيد الذي يحقّ له التقنين خاصّة هو اللّه سبحانه وتعالى ، ولا قانون سوى قانونه ، قال سبحانه وتعالى :
ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ
« 1 » ، فالمراد من حصر الحاكميّة باللّه تعالى هو حصر الحاكميّة التشريعيّة به سبحانه .
وقال سبحانه :
أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ
« 2 » ، فإنّ هذه الآية تقسّم القوانين الحاكمة على البشر إلى قسمين : إلهي وجاهلي ، وبما أنّ ما كان من صنع الفكر البشري ليس إلهيّا فسيكون بالطبع حكما جاهليّا .
وقال سبحانه :
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ
« 3 » ، وقال :
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
« 4 » ، وقال :
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ
« 5 » .
فهذه المقاطع الثلاثة توضح أنّ ممنوعيّة التقنين والتشريع بهدف الحكم على وفقه كانت موجودة في الشرائع الإلهية السالفة أيضا ، وما ذلك إلّا لأجل أنّ التقنين أوّلا والحكم ثانيا حقّ مختصّ باللّه سبحانه ما لم يفوّضه إلى أحد من خلقه ، ولأجل ذلك يوصف المبدّل للنظام الإلهي بالكفر تارة ، وبالظلم أخرى ، وبالفسق ثالثة ، فهم كافرون ؛ لأنّهم يخالفون التشريع الإلهي بالردّ والإنكار والجحود ، وهم ظالمون ؛ لأنّهم يسلّمون حقّ التقنين الذي هو خاصّ باللّه إلى غيره ، وهم فاسقون ؛ لأنّهم خرجوا بهذا الفعل عن طاعة اللّه سبحانه .
5 - الإشراك في الطاعة :
وهو أن يجعل طاعة غير اللّه في حدّ طاعة اللّه وفي عرضها ، لا في طولها ؛ لأنّه
هامش
( 1 ) يوسف : 40 .
( 2 ) المائدة : 50 .
( 3 ) المائدة : 44 .
( 4 ) المائدة : 45 .
( 5 ) المائدة : 47 .