بل حاجتنا إلى المعاني محدودة ، وبهذا المقدار يوجد من الألفاظ لكي نضعها لتلك المعاني ، ولم يقم دليل ينفي وجود هذا المقدار من الألفاظ لكي نضطرّ إلى الوضع المشترك ، بل الواقع المشاهد وجود الألفاظ أكثر ممّا نحتاج بإزاء المعاني ، وذلك حسب ما نشاهده من الألفاظ المهملة في اللغات ، خصوصا اللغة العربية ، وهي قد لا تقلّ عن الألفاظ المشتركة .
إذا كيف يصحّ تفسير الاشتراك في الألفاظ على أساس الضرورة المذكورة ؟ ! « 1 » .
ثانيا : إنّ أصحاب هذه النظرية يبرّرون ضرورة الاشتراك على أساس أنّ التفهيم إنّما يحصل عن طريق الألفاظ ، وحيث إنّها متناهية دعت الضرورة إلى الوضع المشترك .
لكن الواقع المشاهد أنّ التفهيم غير منحصر بذلك ، بل ربما يحصل على نحو تعدّد الدال والمدلول ، وقد يحصل بالإشارة ، فارتفاع الحاجة لا ينحصر بما ذكر لكي يكون الاشتراك ضروريا « 2 » .
ويضاف إلى ذلك كلّه ما إذا أخذنا بعين الاعتبار الاحتمال الذي أبداه بعض الأصوليين وهو : أنّ منشأ الاشتراك كان نتيجة لتجميع لغات الأقوام والقبائل العربية باعتبار أنّ كلّ لغة منها لغة عربية صحيحة يجب اتّباعها « 3 » ، فهو مضافا إلى أنّه ينفي الضرورة ، بل ينفي حصول الاشتراك عن إرادة واختيار أيضا ؛ فإذا مسألة الضرورة منتفية من الأساس .
نعم ، الضرورة بمعنى أنّ الاشتراك ظاهرة طبيعية في اللغة ، فهو ربما يكون مقبولا ؛ إذ كلّ لغة لا تمثّل مجتمعا واحدا ، بل مجتمعات صغيرة بعدد الوحدات البدائية التي ننتمي إليها من قبائل ومجاميع ، والحاجات اللغوية في كلّ واحد منها تتجدّد وتزداد باستمرار ، وتتّخذ كلّ مجموعة طريقة في إشباع تلك الحاجات ، ولما كانت مقرّرات اللغة المشتركة بين تلك القبائل محدودة نسبيا وكانت الصلة اللغوية الكاملة مفقودة بين كلّ مجموعة
هامش
( 1 ) انظر : بحوث في علم الأصول 1 : 112 - 113 .
( 2 ) أصول الفقه 1 : 28 .
( 3 ) أصول الفقه 1 : 28 .