ووجوبها في مواردها على غيره كفائي .
نعم ، قسّموا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحسب المتعلّق إلى الواجب والندب ، فإذا كان الفعل واجباً وجب الأمر به ، وإن كان ندباً ندب الأمر به ، وإذا كان الفعل حراماً وجب النهي عنه ، وإن كان مكروهاً ندب النهي عنه ، ومنع بعضهم ذلك ، وقال : المنكر لا يكون النهي عنه إلّا واجباً ، ولعدم كون المكروه منكراً « 1 » .
بينما صرّح فقهاء المذاهب بأنّ حكمها يختلف باختلاف متعلّقها « 2 » ، فقد تتعلّق بواجب يؤمر به أو بحرام ينهى عنه فتكون واجبة ، وقد تكون محرّمة لترتّب المفسدة عليها ، كما في موارد تصدّي الجاهل لها ، وكما إذا أدّى انكار المنكر إلى منكر أعظم منه .
وقد تكون الحِسبة مكروهة إذا أدّت إلى الوقوع في المكروه « 3 » ، وتكون مندوبة في موارد ترك المندوب وفعل المكروه ، وموارد سقوط وجوب الاحتساب « 4 » .
وذكروا أنّ حكم الاحتساب إذا تساوت المصلحة والمفسدة هو التوقّف ؛ لأنّ تحقيق المصلحة ودرء المفسدة أمر مطلوب في الأمر والنهي ، فإذا اجتمعت المصالح والمفاسد ، فإن أمكن تحصيل المصالح ودفع المفاسد فُعل ذلك امتثالًا لقوله تعالى :
( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ )
« 5 » .
وإن تعذّر دفع المفاسد وتحصيل المصالح معاً ، قدّم دفع المفسدة ولو فاتت المصلحة ، قال تعالى :
( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما )
« 6 » ، فقد حرّم الخمر والميسر ؛ لأنّ مفسدتهما أكبر من نفعهما « 7 » ، وإن اجتمعت المفاسد المحضة ، وأمكن درؤها جميعاً وجب ،
هامش
( 1 ) انظر : المهذّب ( ابن البراج ) 1 : 340 . شرائع الإسلام 1 : 341 . الدر المنضود ( الفقعاني ) : 103 . كفاية الأحكام 1 : 404 . جواهر الكلام 21 : 352 - 358 ، 363 - 365 .
( 2 ) الفواكه الدواني 2 : 394 . معالم القربة : 22 .
( 3 ) الناظر وغنية الذاكر : 4 ، 6 . الفروق 4 : 257 . إحياء علوم الدين 2 : 428 . اتحاف السادة المتّقين 7 : 52 ، 53 .
( 4 ) الزواجر 2 : 168 . الآداب الشرعية 1 : 182 ، 183 ، 194 . الفواكه الدواني 2 : 394 . حاشية ابن عابدين 2 : 172 . قواعد الأحكام ( ابن عبد السلام ) 1 : 110 ، 111 . الفروق 4 : 257 . نصاب الاحتساب : 190 . تحفة الناظر : 6 . كشف الأسرار 2 : 317 .
( 5 ) التغابن : 16 .
( 6 ) البقرة : 219 .
( 7 ) قواعد الأحكام ( ابن عبد السلام ) 1 : 98 .