كما ذهب فقهاء المالكية والشافعية والحنابلة إلى جواز الفرار مع الزيادة على الضعف ، مستدلّين بنفسالآيةالكريمة المتقدّمة التي أشير فيها إلى التخفيف عن المسلمين ، واستدلّوا كذلك بما ورد عن ابن عباس أنّه قال : ( من فرّ من اثنين فقد فرّ ومن فرّ من ثلاثة فما فرّ ) « 1 » ، وعليه فيلزم المسلمين الثبات مع عدم الزيادة على الضعف وأن ظنّوا الهلاك « 2 » .
وقال فقهاء المالكية - وهو ما ذكره ابن عابدين - : إنّ المسلمين إذا بلغوا اثني عشر ألفاً حرم الفرار ولو كثر الكفّار جدّاً ما لم تختلف كلمتهم ، فإنّه إذا اختلفت كلمتهم جاز الفرار مطلقاً ولو بلغوا اثنى عشر ألفاً « 3 » ، واستدلّوا على ذلك بقول رسول الله ( ص ) : « لن يغلب اثنا عشر ألفاً من قلّة » « 4 » .
فرار المتحرّف والمتحيِّز :
المراد من المتحرّف للقتال هو أن ينصرف ليكمن في موضع ، أو أن يكون في مضيق فيتحرّف حتى يتبعه العدو إلى موضع واسع ليسهل القتال فيه ، أو يرى الصواب في التحول من الواسع إلى الضيّق ، أو ليتحرّف عن مقابلة الشمس أو الريح أو يرتفع عن هابط أو يمضي إلى موارد المياه من المواضع المعطّشة أو ليستند إلى جبل أو شبه ذلك .
وأمّا المتحيِّز فهو الذي ينصرف من القتال بقصد الميل إلى فئة ليستنجد بها في القتال ، ولا فرق بين أن تكون الطائفة المنحاز إليها قليلة أو كثيرة ، ولا أن تكون المسافة قصيرة أم طويلة ، وقد ذهب الفقهاء إلى جواز الانصراف من القتال لمتحرّف أو متحيّز « 5 » .
واستدلّ لذلك بقولهتعالى :
« وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ »
« 6 » .
واشترط بعض فقهاء الإمامية صلاحية
هامش
( 1 ) أرواء الغليل ( للألباني ) 5 : 28 ، ح 1206 .
( 2 ) المجموع 19 : 290 . مواهل الجليل 4 : 546 . الثمر الداني : 413 . المغني 10 : 551 . كشّاف القناع 3 : 50 .
( 3 ) حاشية ابن عابدين 3 : 224 . حاشية الدسوقي 2 : 178 . فتح المعين ( للملياري الهندي ) 4 : 227 .
( 4 ) السنن الكبرى 9 : 156 ، 157 . سنن الدارمي 2 : 215 .
( 5 ) شرائع الإسلام 1 : 311 . كشف الرموز 1 : 423 - 424 . تذكرة الفقهاء 9 : 61 . بدائع الصنائع 7 : 99 . نهاية المحتاج 8 : 66 . المهذّب ( للشيرازي ) 2 : 232 . المغني 8 : 485 . كشّاف القناع 3 : 46 .
( 6 ) الأنفال : 16 .