على الجهاد بنفسه وماله لزمه ولا ينبغي له أخذ الجعل ، ومن عجز عن الخروج وله مال ينبغي أن يبعث غيره عنه بماله ، ولو أعطاه الإمام من بيت المال فلا ينبغي له أن يأخذ جعلًا ، ولا يجوز أن يقول القاعد للغازي : خذ هذا المال لتغزوا به عنّي ؛ لأنّه استئجار على الجهاد ، وهو لا يجوز للقادر عليه ، ويصحّ لو قال : اغزو به ، وذكروا أنّه يجوز الأخذ إذا لم يوجد في بيت المال شيء ، واشترط المالكية في جواز الجعل أن يكون الجهاد لمرة واحدة وليس أن يجاهد عنه كلّما حصل الخروج للجهاد ، دفعاً لحصول الضرر « 1 » .
ولم يجوّز الشافعية جهاد أحد عن أحد سواء كان ذلك بعوض أو من غير عوض ؛ لأنّه إذا حضر الجهاد تعيّن عليه الفرض في حقّ نفسه فلا يؤدّيه عن غيره ، ولا يصحّ من الإمام أو غيره استئجار مسلم للجهاد ؛ لأنّه يقع عن المباشر عن نفسه دون غيره ، ويصحّ استئجار ذمّي ومستأمن ومعاهد ، بل حربي للجهاد من قبل الإمام ؛ لأنّ الجهاد لا يجب عليهم ، وأمّا ما يأخذه المجاهدون من الديوان من الفيء فهو إعانة لا اجرة . ومن أكره على الغزو لا أجرة له إن تعيّن عليه ، وإلّا فيستحقّها من خروجه إلى حضوره الواقعة « 2 » .
وذهب جمع من الحنابلة إلى القول بجواز الاستئجار ، وأنّ الأمير إذا استأجر جماعة ليقوموا برد العدو أعطوا ما استؤجر به دون أن يسهم لهم ، وحمل بعضهم ذلك على استئجار من لا يجب عليه الجهاد كالعبيد والكفّار ، وأمّا الرجال المسلمون الأحرار فلا يصحّ استئجارهم على الجهاد ؛ لتعيّنه عليهم بحضورهم ومع التعيّن لا يصحّ أن يفعله غيره عنه . وقال البعض بصحّة الاستئجار لمن لم يتعيّن عليه ، واستند لذلك بما روي عن النبي ( ص ) أنّه قال : « للغازي أجره وللجاعل أجره » « 3 » ، وكقوله أيضاً : « مثل الذين يغزون من امّتي ويأخذون الجعل ويتقوَّون به على عدوهم مثل امّ موسى ترضع ولدها وتأخذ أجرها » « 4 » ؛ ولأنّه أمر لا يختصّ فاعله أن يكون من أهل القربة فصحّ الاستئجار عليه
هامش
( 1 ) حاشية ابن عابدين 4 : 303 - 304 . بدائع الصنائع 4 : 191 . المدونة الكبرى 3 : 31 ، 44 .
( 2 ) روضة الطالبين 10 : 240 ، 241 . نهاية المحتاج 8 : 62 ، 63 . المهذّب ( للشيرازي ) 2 : 227 .
( 3 ) سنن أبي داود 3 : 37 ، تحقيق عزت عبيد دعاس . فيض القدير 5 : 291 ، ط المكتبة التجارية .
( 4 ) تحفة الأشراف 13 : 155 ، ط دار القيمة . كنز العمال 4 : 336 ، ط الرسالة .