الشافعية كراهة الغزو من غير إذن الإمام أو الأمير المولّى من قبله ؛ لأنّ الغزو على حسب الحاجة ، والإمام أو الأمير أعرف بذلك إلّا أنّ ذلك لا يحرم ؛ لأنّه ليس فيه أكثر من التغرير بالنفس ، والتغرير بالنفس جائز في الجهاد ، كما وإنّ أمر الحرب موكول إلى الأمير وهو أعلم بكثرة العدو وقلتهم ومكامنهم وكيدهم ، فينبغي أن يرجع إلى رأيه لأنّه أحوط للمسلمين ؛ ولأنّه إذا لم تجز المبارزة إلّا بإذنه فالغزو أولى . وذهب المالكية والحنابلة إلى اشتراط إذن الإمام في الجهاد ؛ لأنّه أعرف بمواضع الحرب وأمرها موكول إليه « 1 » .
الجهاد مع أئمة الجور :
ذهب فقهاء الإمامية إلى عدم جواز الجهاد مع أئمة الجور أو من غير إمام ، وأنّ فاعل ذلك يعد آثماً ، فهو إن أصاب لم يؤجر وإن أصيب كان مأثوماً « 2 » . واستدلّ البعض بقولهتعالى :
« وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ »
« 3 » ، والفاجر ظالم . نعم ، يصحّ الجهاد الدفاعي مطلقاً .
وصرّح جمهور فقهاء المذاهب بصحّة الغزو مع أمير الجيش ولو كان جائراً ارتكاباً لأخف الضررين ، ولأنّ ترك الجهاد معه سوف يؤدّي إلى قطع الجهاد وسيطرة الكفّار على المسلمين ، وهو خلاف نصرة المسلمين التي هي واجبة ، وكذلك يصحّ عندهم الجهاد مع الظالم في أحكامه أو الفاسق بجارحة ولا يصحّ مع الغادر بعهده « 4 » . واستدلوا لذلك بقولهتعالى :
« وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ »
« 5 » ، وما رواه أبو هريرة من أنّ رسول الله ( ص ) قال : « الجهاد واجب عليكم مع كلّ إمام براً كان أو فاجراً » « 6 » .
هامش
( 1 ) نهاية المحتاج 8 : 60 . روضة الطالبين 10 : 238 . المهذّب ( للشيرازي ) 2 : 229 . حاشية القليوبي 4 : 217 . مواهب الجليل 4 : 540 . مطالب اولي النهى 2 : 542 . المغني 8 : 364 . كشّاف القناع 3 : 82 . الموسوعة الفقهية الكويتيّة 16 : 136 ، و 24 : 350 .
( 2 ) المبسوط 2 : 8 . الوسيلة : 199 - 200 . السرائر 2 : 4 . تذكرة الفقهاء 9 : 19 - 20 . رياض المسائل 7 : 447 .
( 3 ) هود : 113 .
( 4 ) حاشية ابن عابدين 3 : 222 . جواهر الإكليل 1 : 251 . حاشية الدسوقي 2 : 174 . المغني 8 : 350 .
( 5 ) البقرة : 251 .
( 6 ) السنن الكبرى 3 : 121 . سنن أبي داود 1 : 569 ، ح 2533 .