وبذلك يتّضح الردّ والجواب على اتّهام الإسلام بأنّه انتشر بالسيف ، وأنّه استخدم القوّة والسلاح في نشر الدعوة ، فإنّ مبدأ فكرة الحرب والقتال واستخدام القوّة والسلاح في الإسلام لم يكن يوماً ذا طبيعة عدوانية أو تسلّطية ، بل هي طبيعة وقائية ودفاعية يلجأ إليها في موارد خاصّة وحالات استثنائية ، كالدفاع عن النفس ، ومقاومة الظلم ، وقتال الظالمين ، والذين أخرجوا المسلمين من ديارهم ، والذين يصدّون عن الإيمان والإسلام ، والذين يريدون سلب حقّ اختيار العقيدة من الناس ، ومن أجل إخماد وإطفاء نار الفتنة .
ولم يرد في القرآن الكريم ما يتضمّن الدعوة إلى نشر الرسالة بالقوّة والحرب ، بل العكس هو الصحيح ، فإنّ القرآن يرجّح أسلوب الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة ، وبالحوار والجدال الحسن ، قالتعالى :
« ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ »
« 1 » .
فإذا استنفذت أساليب الحوار المنطقي والعاطفي ولم ينتج المأمول وتحقّق التجاوز والاعتداء من قبل الأعداء فحينئذٍ تجوز الحرب والقتال كآخر حلّ يلجأ إليه .
ومن هنا حرص الإسلام على أن يظهر بمظهر القوّة والغلبة ، وأمر اللهعزّ وجلّ بإعداد العدّة وأسباب المنعة لإرهاب العدوّ وإرعابه وصيانة كيان الإسلام ، فقالتعالى :
« وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ »
« 2 » .
هذا ، مضافاً إلى أنّ الاعتقاد والإيمان من الأمور القلبية التي لا تقبل الإكراه والإجبار « 3 » ، فكيف تحصل بالسيف وتتحقّق بالسلاح ؟ !
ثالثاً - بداية تشريع الجهاد ومراحله :
لم يكن الجهاد مأذوناً به في بداية الرسالة قبل الهجرة النبوية ، بل أمر اللهعزّ وجلّ رسوله ( ص ) في البدء بالدعوة لهذه الرسالة ، وتوضيح المراد منها وتحمّل الأذى في تلك الفترة ، فاكتفى بالتبليغ والإنذار والصبر على الأذى مع الصفح عن المشركين ، ولم ينصع لما هم عليه ، كما هو في قولهتعالى :
« فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ »
« 4 » ،
هامش
( 1 ) النحل : 125 .
( 2 ) الأنفال : 60 .
( 3 ) الميزان في تفسير القرآن 2 : 342 .
( 4 ) الحجر : 85 .