الشروع في العمل وقبل اتمامه لا شيء له ؛ لأنّه أسقط حقّه وأبطل المنفعة على نفسه ، ولأنّ المالك لم يجعل العوض إلّا في قبال مجموع العمل ولم يحصل غرضه ، ولمّا كانت جائزة لم يثبت فيها شيء إلّا بالشرط بخلاف الإجارة ، فإنّها لازمة تستقر الأجرة شيئاً فشيئاً ، وهذا واضح في العمل الذي يوجد دفعة مثل ردّ الضالة أو العبد الآبق الذي لا يمكن تقسيط الجُعل عليه ، أمّا في العمل الذي يوجد تدريجاً مثل الخياطة وبناء الحائط ممّا يمكن تقسيط الجُعل عليه ، فذهب جماعة إلى ثبوت أجرة المثل بمقدار ما عمل فيه ، خصوصاً لو كان هناك عذر في عدم إتمام العمل كالموت أو إجبار الظالم له .
ولو فسخ الجاعل بعد الشروع في العمل انفسخ العقد وثبت للعامل اجرة ما عمل ؛ لأنّه عمل بعوض لم يسلّم له ولا تقصير من قبله ، والأصل في العمل المحترم الواقع بأمر المالك أن يقابل بعوض ، وهذا إنّما يتمّ في العمل الذي يوجد تدريجاً والذي يمكن أن يوزع الجُعل عليه ، لا مثل ردّ الآبق أو الضالّة الذي يوجد دفعة « 1 » .
ثمّ إنّ ثبوت اجرة ما عمل هل يكون ذلك بالقياس إلى أجرة المثل أم المسمّى في العقد ؟ اختار جماعة المسمّى ؛ لأنّه العوض الذي اتّفقا عليه فلا يلزم غيره ، وذهب البعض إلى أجرة المثل ؛ لأنّ الفسخ أبطل العقد ويُرجع في تقييم العمل إلى قياس مثله « 2 » .
ولو عمل العامل بعد علمه بفسخ المالك فإنّه لا يستحقّ شيئاً ؛ لأنّه متبرّع بعمله ، ولو عمل بعد الفسخ ولكن لم يعلم به استحقّ كمال الجُعل « 3 » .
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنّه لو فسخ العامل بعد الشروع في العمل فلا شيء له ؛ لأنّ الجُعل إنّما يستحقّه بتمام العمل ، وقد فوّته باختياره ولم يحصل للجاعل ما أراده من العقد ، ولم يفرّقوا في ذلك بين الأعمال التي توجد دفعة كردّ الآبق والضالّة ، والأعمال التي توجد تدريجاً كبناء الحائط ، وبمثله قال المالكية في الأعمال التي يكون للجاعل فيها منفعة قبل تمامها .
ويستثنى من ذلك عند الشافعية ما لو زاد الجاعل في العمل فلم يرض العامل
هامش
( 1 ) المبسوط 3 : 332 . تذكرة الفقهاء 17 : 443 . تحرير الأحكام 4 : 443 . الروضة البهية 4 : 443 . الدروس الشرعية 3 : 100 . مسالك الأفهام 11 : 159 ، 156 . مجمع الفائدة 10 : 153 . مفتاح الكرامة 17 : 879 - 882 .
( 2 ) تذكرة الفقهاء 17 : 443 . مسالك الأفهام 11 : 157 . كفاية الأحكام 2 : 514 .
( 3 ) تذكرة الفقهاء 17 : 444 . جامع المقاصد 6 : 195 - 196 . مفتاح الكرامة 17 : 883 .