« أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلّا الله ، فقد عصم منّي نفسه وماله إلّا بحقّه ، وحسابه على الله » « 1 » ، ولم يخرج من هذا العموم إلّا أهل الكتاب والمجوس - والصابئة عند القائل به - فيبقى من عداهم تحت حكم العام « 2 » .
وذهب الحنفية ومالك في رواية ابن القاسم ، وأخذ بها هو وأشهب وسحنون من المالكية ، وأحمد بن حنبل في رواية الحسن بن ثواب إلى أنّ الجزية تقبل من المشركين إلّا مشركي العرب « 3 » .
واستدلّوا على ذلك بعدّة أمور منها : قولهتعالى :
« فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ »
« 4 » ، بدعوى أنّه خاصّ بمشركي العرب ، لأنّه مرتّب على قولهتعالى :
« فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ »
« 5 » ، وهي الأشهر الأربعة التي كان العرب يحرمون فيها القتال .
ومنها : إنّ النبي ( ص ) لم يأخذ الجزية من مشركي العرب « 6 » ، على ما رواه عبد الرزاق من حديث الزهري « 7 » ، ونقل الطبري الإجماع على ذلك « 8 » .
ومنها : استدلالهم بالمعقول من أنّ كفرهم قد تغلّظ لعدم إيمانهم رغم وجود النبي ( ص ) بين ظهرانيهم ، والقرآن نزل بلغتهم ، فالمعجزة في حقَّهم أظهر ، وكل من تغلّظ كفره فلا يقبل منه إلّا الإسلام أو السيف ؛ لقولهتعالى :
« قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ »
« 9 » ، أي تقاتلوهم حتى يسلموا « 10 » .
وذهب مالك في قول ، وهو الراجح عند المالكية إلى أنّ الجزية تقبل من جميع الكفّار ، ومنهم المشركون وعبدة الأوثان ، سواء كانوا من العرب أم من العجم ، وسواء كانوا قريشيين أو غير قريشيين « 11 » .
هامش
( 1 ) صحيح مسلم 1 : 51 - 52 ، ط عيسى الحلبي .
( 2 ) أحكام القرآن ( ألكيا الهراس ) 4 : 40 . الغاية القصوى 2 : 955 . أحكام القرآن ( ابن العربي ) 2 : 919 .
( 3 ) بدائع الصنائع 9 : 4329 . تبيين الحقائق 3 : 277 . حاشية ابن عابدين 4 : 198 . المغني 8 : 500 . الجامع لأحكام القرآن 8 : 110 . المنتقى 2 : 173 .
( 4 ) التوبة : 5 .
( 5 ) التوبة : 5 .
( 6 ) الجوهر النقي على السنن الكبرى 1 : 187 .
( 7 ) المصنف 10 : 326 ، منشورات المجلس العلمي .
( 8 ) الأموال ( أبو عبيد ) : 43 ، اختلاف الفقهاء ( الطبري ) : 200 .
( 9 ) الفتح : 16 .
( 10 ) العناية على الهداية مع فتح القدير 5 : 292 . مجمع الزوائد 5 : 332 . الأموال : 197 .
( 11 ) المدونة الكبرى 1 : 406 . المنتقى 2 : 172 . منح الجليل 1 :