وقد يتّصف التداوي بأحد الأحكام التكليفية ؛ فقد يكون واجباً إذا توقّف عليه حفظ النفس ، وقد يكون حراماً فيما إذا تداوى ببعض المحرّمات ، وقد يكون مكروهاً كالتداوي بالمياه الحارّة الكبريتية وأمثالها ، وقد يكون مستحبّاً كالأستشفاء بالقرآن وبالتربة الحسينية ، وقد يكون مباحاً فيما إذا خلى من أحد العناوين المتقدّمة .
ثالثاً - أحكام التداوي :
1 - التداوي بالمحرّم :
لا خلاف بين الإمامية في عدم جواز التداوي بالمحرّمات ، بل دعوى الإجماع عليه ، وهو متّفق عليه عند جمهور فقهاء المذاهب ؛ لقوله ( ص ) : « إنّ الله لم يجعل شفاءكم فيما حرّم عليك » « 1 » ، وقول الإمام الصادق ( عليه السلام ) : « لا يتداوى بالخمر ولا المسكر ، ولا تتمشط النساء به ، فقد أخبرني أبي عن جدّي ( عليه السلام ) ؛ أنّ علياً ( عليه السلام ) قال : إنّ الله لم يجعل في رجس حرّمه شفاء » « 2 » ، مضافاً إلى إطلاق أدلّة التحريم .
وقد ذكر الإمامية هذا في الأكل والشرب ، أمّا إذا كان بغيرهما كالطلي والتدهين والوضع على الجرح فقد فصّلوا بين الأعيان النجسة وبين غيرها من المحرّمات ، فذهب الأكثر إلى عدم الجواز في الأعيان النجسة ، وذهب بعض إلى الجواز ، وأمّا غيرها من المحرّمات فلا وجه لتحريم استعمالها في غير الأكل والشرب ؛ لأنّ أدلّة التحريم ناظرة إليهم « 3 » .
وقد عمّم المالكية هذا الحكم في كلّ نجس ، سواء أكان خمراً أم ميتةً ، أو أي شيء حرّمه الله تعالى ، وسواء كان التداوي به عن طريق الشرب أو طلي الجسد به ، وسواء أكان صرفاً أو مخلوطاً مع دواء جائز ، واستثنوا من ذلك حالة واحدة ، وهي أن يكون التداوي بالطلاء ، ويخاف بتركه الموت ، سواء كان الطلاء نجساً أو محرّماً ، صرفاً أومختلطاً بدواء جائز .
وأضاف الحنابلة إلى المحرّم كلّ مستخبث ، كبول مأكول اللحم أو غيره ، إلّا بول الإبل فيجوز التداوي بها ، وذكر غير واحدٍ من الحنابلة أنّ الدواء المسموم إن
هامش
( 1 ) صحيح مسلم 6 : 248 ، دار الفكر ، 1401 ه - . وانظر : عوالي اللآلي 2 : 333 .
( 2 ) دعائم الإسلام 2 : 134 . مستدرك الوسائل 17 : 67 ، ب 15 في الأشربة المحرّمة ، ح 4 .
( 3 ) المكاسب ( تراث الشيخ الأعظم ) 1 : 97 . مستمسك العروة 1 : 288 .