يرضى أولياء المقتول أن يقبلوا الدية ، فإن رضوا بالدية وأحبّ ذلك القاتل ، فالدية اثنا عشر ألف . . . » « 1 » ، وعليه فلو عفا ولي الدم على مالٍ لم يسقط القود ، ولم نثبت الدية إلّا مع رضا الجاني ، ولو عفا ولم يشترط المال سقط القود ولم تثبت الدية لكون الواجب هو القصاص ، فمع سقوطه من دون اشتراط للمال لم يجب بعده شيء سواء رضي الجاني أو لم يرض ، وسواء أطلق العفو أو صرّح بنفي المال ، وأنّه لو بذل الجاني القود لم يكن للولي غيره « 2 » .
القول الثاني : تخيير ولي الدم في الجناية على النفس بين ثلاث خصال : فإمّا أن يقتصّ من القاتل ، أو يعفو عنه إلى الدية أو بعضها ، أو أن يصالحه على مال يقابل العفو أو يعفو عنه مطلقاً ، وإليه ذهب فقهاء المذاهب « 3 » ، واستدلّوا له بقوله تعالى :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ »
« 4 » ، وبما روي عن النبي ( ص ) أنّه قال : مَن قُتل له قتيل فهو بخير النظرين : إمّا أن يودى وإمّا أن يقاد « 5 » ، واختلفوا في توقّف تخيير ولي الدم في أخذ الدية على رضا الجاني ، فذهب الحنفية والمالكية إلى أنّه لا يجوز أن يعفو ولي الدم إلى الدية إلّا برضا الجاني ، وأنّه ليس لولي الدم جبر الجاني على دفع الدية إذا سلّم نفسه للقصاص « 6 » ، وذهب الشافعية في الأظهر والحنابلة في المعتمد إلى أنّ موجب القتل العمد هو القود وأنّ الدية بدل عنه عند سقوطه ، فإذا عفا عن القصاص واختار الدية وجبت من دون توقّف على رضا الجاني ، وهو قول بعض المالكية « 7 » ، وفي قول آخر للشافعية ورواية عند الحنابلة أن موجب قتل العمد هو القصاص أو الدية أحدهما لا بعينه ويتخيّر ولي الدم في تعيين أحدهم « 8 » ، ويأتي تفصيله في محلّه .
( انظر : قتل ، قصاص )
هامش
( 1 ) تهذيب الأحكام 10 : 159 ، ح 17 .
( 2 ) الخلاف 5 : 176 - 178 . رياض المسائل 14 : 131 ت 134 . جواهر الكلام 42 : 278 - 282 .
( 3 ) بدائع الصنائع 7 : 241 ، 247 . البناية 10 : 8 . حاشية الدسوقي 4 : 239 . روضة الطالبين 9 : 239 . المغني 7 : 742 - 752 . كشّاف القناع 5 : 542 .
( 4 ) البقرة : 178 .
( 5 ) صحيح مسلم 2 : 989 ط عيسى الحلبي .
( 6 ) بدائع الصنائع 7 : 241 ، حاشية الدسوقي 9 : 239 .
( 7 ) حاشية الدسوقي 4 : 240 . روضة الطالبين 9 : 239 . كشّاف القناع 5 : 543 .
( 8 ) روضة الطالبين 9 : 239 . كشّاف القناع 5 : 243 .