وأمّا على القول بعدم تحقّقه ، وأنّ ما وقع ليس بإكراه حقيقة ؛ لأنّ المكرَه مَن يتخلّص بما امر به عمّا هو أشدّ عليه ، وهو الذي خوّفه المكرِه به ، وهنا المأمور به القتل والمخوّف به القتل ، ولا يتخلّص بقتل نفسه عن القتل ، فلا معنى لإقدامه عليه « 1 » .
أمّا فقهاء المذاهب فلم يجوّزوا له قتل نفسه ، وإلّا عُدّ منتحراً وآثماً ؛ لأنّ المكرَه عليه لا يختلف عن المكرَه به ، فكلاهما قتلٌ ، فلأن يقتله المكرِه أولى من أن يقتل نفسه ، ويتفرّع على ذلك أنّه إذا قتل نفسه فلا قصاص على المكرِه في الأظهر عند الشافعية ؛ لانتفاء كونه إكراهاً حقيقة ، لاتحاد المأمور به والمخوف به ، ويجب القصاص عند الحنابلة ، وقول للشافعية « 2 » .
ولو أكرهه على قتل نفسه بما يتضمّن تعذيباً شديداً ، كإحراق أو تمثيل إن لم يقتل نفسه ، كان إكراهاً عند بعض الشافعية ، وأمّا الحنفية فقد فصّلوا في ذلك بين ما إذا قال له : لتلقين نفسك في النار أو من رأس الجبل أو لأقتلنك بالسيف ، فألقى نفسه من الجبل ، فعند أبي حنيفة تجب الدية على عاقلة المكرِه ، وعند أبي يوسف تجب الدية على المكرِه في ماله ، وعند محمد يجب القصاص . وبين ما إذا ألقى نفسه في النار فاحترق ، فيجب القصاص على المكرِه عند أبي حنيفة أيضاً « 3 » .
خامساً - آثار الانتحار :
أ - كفر المنتحر :
قد ورد في بعض الأخبار ما يظهر منه أنّ قاتل نفسه لا يموت مؤمناً ، منها : ما ورد من طرق الإمامية عن الإمام محمد بن علي الباقر ( ع ) أنّه قال : « إنّ المؤمن يُبتلى بكلّ بلية ، ويموت بكلّ ميتة ، إلّا أنّه لا يقتل نفسه » « 4 » ، وذكر بعضهم بأنّ هذه الرواية تدلّ على أنّ قاتل نفسه ليس بمؤمن ، ثمّ قال : « وربّما يُحمل على من استحلّ قتل نفسه » « 5 » ، هذا مضافاً إلى ما ذكرناه آنفاً من أنّ قاتل نفسه يُخلّد في النار ، فإن الخلود لغير المؤمن ، إلّا أنّه ينافيه الحكم بوجوب الصلاة على قاتل
هامش
( 1 ) مسالك الأفهام 15 : 90 . جواهر الكلام 42 : 54 .
( 2 ) نهاية المحتاج 7 : 247 . كشّاف القناع 5 : 518 .
( 3 ) تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق للزيلعي 5 : 190 .
( 4 ) وسائل الشيعة 29 : 24 ، ب 5 ، من القصاص في النفس ، ح 3 .
( 5 ) مرآة العقول 9 : 334 . بحار الأنوار 67 : 206 .