فقهاء الحنفية في الإكراه الملجىء بأنّه يرفع الرضا ويفسد الاختيار ولا يرفعه ، وفسّروا الاختيار بالقصد إلى الفعل ، وفسّروا الرضا بالرغبة . وذكروا أنّ القصد إلى المكرَه عليه موجود عند الإكراه ، إلّا أنّه فاسد لارتكابه أخف الضررين . وأمّا الإكراه غير الملجىء فحكمه عندهم أنّه يرفع الرضا ، ولكن لا يفسد الاختيار ؛ لتمكّن المكره من الصبر وتحمل ما هُدد به ، خلافاً للإكراه الملجىء « 1 » .
وأمّا غير الحنفية من فقهاء المذاهب فإنّهم وإن لم يقسّموا الإكراه إلى ملجىء وغير ملجىء ، إلّا أنّهم اتّفقوا على شمول حكم الإكراه لما أسماه الأحناف بالإكراه الملجىء ، واختلفوا في غير الملجىء ، فاعتبر في أحد الروايتين عن الشافعي وأحمد إكراهاً ، ولم يعتبر إكراهاً في الرواية الأخرى « 2 » . وأمّا المالكية فإنّه لا يعتبر عندهم إكراهاً بالنسبة لبعض المكره عليه ، كالكفر بالقول والفعل ، والمعصية التي تعلّق فيها حقّ لمخلوق ، كالقتل والقطع ، والزنا بامرأة مكرهة أو لها زوج . وسبّ نبي أو ملك ، أو قذف مسلم ، ويعتبر إكراهاً في مثل شرب الخمر والطلاق وسائر العقود والحلول والآثار « 3 » . وعلّق بعض فقهاء الإمامية على تقسيم الحنفية بأنّه لا يخلو من خلل واضطراب ، وأنّه لا فرق بين الإكراه الملجىء وغير الملجىء بالمعنى المذكور ، وذكر أنّ الإكراه الملجىء غير ما ذكروه ، بل هو الحمل على الفعل بنحو يرتفع القصد من الفاعل ، كما لو أوجر الماء في حلق الصائم ، أو أركب إنسان غيره بان رفعه ووضعه على الدابة ، والقسم الثاني ( أي الإكراه غير الملجىء ) فهو ما يصدر الفعل فيه بإرادة الفاعل ، لكن انبعاث الإرادة والقصد وقعا دفعاً للضرر وخوفاً من التهديد ، ثمّ خلص إلى القول بأنّ الإكراه الملجىء يسلب الإرادة والرضا ، وغير الملجىء يسلب الرضا وطيب النفس دون الإرادة ، وحكم بتساويهما في أغلب الأحكام ، وذكر أنّه قد يختلف نادراً ، ففي الصوم لو أوجر في حلقه فلا قضاء ولا كفّارة ، وفي الإكراه غير الملجىء عليه
هامش
( 1 ) المبسوط ( السرخسي ) 24 : 48 . حاشية ابن عابدين 5 : 80 - 81 ، 89 . فتح القدير 7 : 298 . بدائع الصنائع 9 : 4479 .
( 2 ) تحفة المحتاج 7 : 369 . الأشباه والنظائر ( السيوطي ) : 209 . مغني المحتاج 3 : 290 . الفروع 3 : 384 ، 476 .
( 3 ) جواهر الإكليل 2 : 281 . بلغة السالك 1 : 452 . حاشية الخرشي 3 : 175 ، 176 .