القول الثالث : صحّة إقرار السكران في كلّ ما أقرّ به ، سواء وقع الاعتداء في الحقوق على حقّ الله سبحانه أو على حقّ العبد ، وهو مذهب جمهور الشافعية ، وهو الصحيح من المذهب عند الحنابلة « 1 » .
3 - القصد والاختيار :
يشترط في المقِرّ القصد والاختيار ، فلا يصحّ إقرار المكرَه بجميع أفراده ، ولا يكون نافذاً في نفسه « 2 » ؛ لقوله ( ص ) : « رفع عن امّتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه » « 3 » .
وكذلك لا يصحّ إقرار النائم والمغمى عليه والمبرسم وغيرهم ممّن لا قصد لهم ، بلا خلاف في ذلك ؛ نظراً إلى اعتبار القصد والاختيار في الإقرار « 4 » .
4 - قدرة التصرّف فيما أقرّ به :
يشترط في المِقّر أن يكون قادراً على التصرّف فيما أقرّ به ، فلا يصحّ إقراره - في الجملة - إذا كان محجوراً عليه لسفهٍ أو فلس ، فهنا حالتان :
أ - المحجور عليه لسفهٍ :
لو أقرّ سفيه بمال ، لم يقبل إقراره عند فقهاء الإمامية بلا خلاف فيه بينهم ، وقد يستدلّ عليه - مضافاً إلى الإجماع المدّعى عليه - بما يدلّ على بطلان تصرّفات السفيه المالية ، فإنّه إذا كانت تصرّفاته المالية غير نافذة فإقراره بها لا يكون له أثر لا محالة ، وعليه ، فلو فكّ الحجر عنه لا يلزمه ما أقرّ به حين الحجر من المال « 5 » .
وإلى هذا القول ذهب الحنفية وبعض الحنابلة والشافعية ، وهو الأصحّ عند المالكية ، والصحيح عند الحنابلة أنّه يلزمه بعد فكاك حجره . والرأي الآخر هو قبول إقراره قضاءً ، وهو المرجوح عند الشافعية « 6 » .
هامش
( 1 ) المهذّب ( الشيرازي ) 2 : 77 ، 344 . أسنى المطالب 3 : 283 . الإنصاف 12 : 133 . كشّاف القناع 6 : 454 .
( 2 ) تذكرة الفقهاء 15 : 256 . مسالك الأفهام 11 : 89 . جواهر الكلام 35 : 104 . حاشية ابن عابدين 4 : 4 ، و 5 : 83 . الذخيرة ( القرافي ) 9 : 265 . الحاوي الكبير 7 : 5 . المغني 5 : 272 - 273 ، ط دار الفكر .
( 3 ) كنز العمال 4 : 233 ، ح 10307 . وانظر الاستدلال به : تذكرة الفقهاء 15 : 257 . المغني 5 : 273 .
( 4 ) تذكرة الفقهاء 15 : 256 . جامع المقاصد 9 : 203 . جواهر الكلام 35 : 105 . المغني 5 : 271 ، ط دار الفكر .
( 5 ) شرائع الإسلام 3 : 152 . الدروس الشرعية 3 : 128 . مسالك الأفهام 11 : 90 . رياض المسائل 11 : 411 . جواهر الكلام 35 : 106 - 107 .
( 6 ) المبسوط ( السرخسي ) 24 : 177 . بلغة السالك 2 : 190 . المبدع 4 : 344 ، 345 . الإنصاف 12 : 128 - 129 .