من الثاني .
قال محمد بن إدريس رحمه اللّه : قوله ويضربان الحد ، يريد بذلك التعزير ، فسماه حدا ، لأنه لا يجب على كل واحد منهما حد كامل ، لكنهما شاهدا زور ، فيعزران بحسب ما يراه الإمام عليه السّلام ، أو الحاكم من قبله .
وقوله : يرجع إلى الأول فيه نظر ، لأنهما إذا شهدا بالطلاق عند الحاكم ، كانا عنده وقت شهادتهما بشرائط العدالة ، وحكم بشهادتهما ، وأمضى الحكم ، وتزوجت المرأة بحكمه .
وقوله : فلا تأثير لرجوعهما ، ولا ينقض الحكم برجوعهما ، بل يغرمان ما اتلفا وضيعا ، بشهادتهما من الأموال ، ولا ينقض الحاكم ما حكم به ، ولا يرجع على المشهود له بشيء مما شهدا له به .
هذا حكم سائر في جميع الأشياء ، مجمع عليه عند أصحابنا ، وإليه يذهب شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه ، ومبسوطه . . .
قال محمد بن إدريس : وطلاق هذه المرأة مقطوع عليه ، وتزويجها مأمور به ، محكوم بصحة العقد ، بغير خلاف ، فلا يرجع عن هذا المقطوع عليه ، المحكوم ، بصحته شرعا ، بأمر مظنون ، وهو رجوعهما إليه ، لأنه يحتمل الصدق والكذب ، والحق والباطل ، فلا ينقض به ما قد قطع عليه وحكم بصحته شرعا . وما أورده في نهايته رحمه اللّه ، خبر واحد ، لا يوجب علما ولا عملا ، ذكره في استبصاره ، وأورد خبرا آخر ، وتأوله ، والخبر الذي أورده ليقضي به ، على ما اختلف عليه من الأخبار ، ليس فيه أنهما رجعا جميعا ، أعني الشاهدين على ما أورده في نهايته ، بل فيه : وأكذب نفسه أحد الشاهدين ، فإذا كان هذا الاختلاف والتأويل في الخبر ، ولا إجماع معنا ، ولا كتاب اللّه سبحانه ، ولا أخبار متواترة ، ولا سنة مقطوع بها ، بل إجماعنا منعقد على ما قررناه ، من أن الحاكم لا ينقض حكمه إذا حكم برجوع الشهود ، فلا يعدل عن الدليل إلى غيره ، لأنه حكم شرعي يحتاج في إثباته إلى دليل شرعي . . .
وقد دللنا على صحة ما ذهبنا إليه قبل هذا بلا فصل ، حين قلنا إن إجماع أصحابنا منعقد على أنه إن رجع الشهود بعد حكم الحاكم فلا يلتفت إلى رجوعهما ، فيما حكم به ، ولا ينقض حكمه ، لأن حكمه مقطوع من جهة الشرع على صحته ، ورجوعهما يحتمل الصدق والكذب ، فلا يرجع عن أمر مقطوع على صحته ، بأمر مشكوك فيه محتمل . . .
إجماعات فقهاء الإمامية — صفحة 187
مساهمون: السيد أحمد الموسوي الروضاتي
ص١٨٧