قال محمد بن إدريس رحمه اللّه : والذي يقوى في نفسي ، وثبت عندي ، وأختاره وأفتي به ، وأعتقد صحته ، ما ذهب إليه السيد المرتضى ، وأختاره ، لأنه إجماع المسلمين قاطبة ، إلا مالكا فإنه لم يعتبر الراحلة ، ولا الزاد ، إذا كان ذا صناعة يمكنه الاكتساب بها في طريقه ، وإن لم يكن ذا صناعة ، وكان يحسن السؤال ، وجرت عادته به ، لزمه أيضا الحج ، فإن لم يجر عادته به لم يلزمه الحج .
فأما ما ذهب إليه الفريق الآخر ، من أصحابنا ، فإنهم يتعلقون بأخبار آحاد ، لا توجب علما ولا عملا ، ولا يخصص بمثلها القرآن ، ولا يرجع عن ظاهر التنزيل بها ، بل الواجب العمل بظاهر القرآن ، وهو قوله تعالى :
وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا
ولا خلاف أن من ذكرنا حاله قادر على إتيان البيت ، وقصده ، لأنه تعالى قال
مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا
ولولا إجماع المسلمين على إبطال قول مالك ، لكان ظاهر القرآن معه ، بل أجمعنا على تخصيص المواضع التي أجمعنا عليها ، وخصصناها بالإجماع ، بقي الباقي ، فظاهر الآية على عمومها ، فمن خصص ما لم يجمع على تخصيصه ، يحتاج إلى دليل ، ألا ترى إلى استدلال السيد المرتضى رضي اللّه عنه وقوله : « دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه بعد الإجماع المتكرر ذكره ، أنه لا خلاف في أن من حاله ما ذكرناه ، أن الحج يلزمه » فقد استدل بإجماع الفرقة ، وإجماع المسلمين ، بقوله « لا خلاف في أن من حاله ما ذكرناه أن الحج يلزمه » . . .
قال محمد بن إدريس رحمه اللّه : وأخبارنا متواترة عامة في وجوب الحج ، على من حاله ما ذكرناه . . .
قال محمد بن إدريس رحمه اللّه : وليس في الخبر ما ينافي ما ذهبنا إليه ، واخترناه ، بل ما يلائمه ويعضده ، وهو دليل لنا ، لا علينا ، بل نعم ما قال عليه السّلام ، لأنه قال : ما يقول الناس في الاستطاعة ؟ قال :
فقيل له : الزاد والراحلة ، فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام : سئل أبو جعفر عليه السّلام عن هذا فقال : هلك الناس إذن ، لئن كان من كان له زاد وراحلة ، قدر ما يقوت عياله ، ويستغني به عن الناس ، ينطلق ، فيسلبهم إياه ، لقد هلكوا إذن ، ونحن نقول بما قال عليه السّلام ، ولا نوجب الحج على الواجد للزاد والراحلة فحسب ، بل نقول ما قال عليه السّلام ، لما قيل له : فما السبيل ، قال : فقال : السعة في المال ، إذا كان يحج ببعض ، ويبقي بعض ، يقوت عياله وكذا نقول ، وهذا مذهبنا الذي ذهبنا إليه . . .
فأما إن لم يبق ما يقوت عياله ، مدة سفره ، وغيبته ، فلا يجب عليه الحج ، وهل هذا الخبر فيه ، ما ينافي ما قلناه ، أو يرجع به عن ظاهر التنزيل ، والمتواتر من الأخبار ، ولو وجد أخبار آحاد ، فلا يلتفت إليها ، ولا يعرج عليها ، لأنها لا توجب علما ولا عملا ، ولا يترك لها ظاهر القرآن ، وإجماع أصحابنا ، فإنهم