أقول : أمّا وجه استدلال القاضي فهو انّ ( الربّ ) أو المربّي : هو من يبلغ الشيء تدريجا إلى جانب الكمال . ومعلوم انّ كمال الشيء فرع بقائه فيكون في بقائه محتاجا .
وأمّا وجه اشكاله قدّس سرّه وعدم وضوح ما ذكر فلإمكان كون شخص مربيا وسببا للكمال من دون أن يكون له دخل في حدوث الشيء أو بقائه ، كما في مربّي الإنسان والحيوان ، من أفراد الإنسان .
ويمكن تصحيح قول القاضي بانّ الربّ إذا أضيف إلى ( العالمين ) فلازمه دخول جميع الموجودات فيه فلا يمكن فرض علّة الحدوث شيئا آخر غيره تعالى فامّا أن يستغني الموجودات عن العلّة المبقية أو تكون العلّة المبقية هي ذاته تعالى .
وعلى فرض استغنائه عن العلّة المبقية يرجع المعنى إلى انّ محدثه أعطاه وجودا باقيا بنفسه ، وأوجده بوجود باق ، فيرجع سبب البقاء إلى المحدث تبارك وتعالى .
الثالث : من موارد اشارته قدّس سرّه إلى الصّانع وصفاته قوله قدّس سرّه : ؤنعم في -
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
- دلالة على كونه تعالى قادرا مختارا من وجهين فيفهم كون العالم حادثا أيضا فافهم » آيات الأحكام ، ص 5 .
وذكر في الحاشية ما نصّه « قوله : قادرا مختارا من وجهين : أحدهما انّه دلّ على انّ اللّه تعالى خالق كلّ ما سواه ، ومن جملته الحادث فلا يكون موجبا فانّ أثره قديم وهو ظاهر ومبيّن .
وثانيهما انّ الحمد إنّما يكون على الفعل الاختياري ، فالمحمود لا يكون إلّا مختارا ، ويلزم منه حدوث حمد العالم فانّ أثر المختار لا يكون قديما وهو ظاهر » .
أقول الدّلالة مبنيّة على مسألتين خلافيّتين بين الحكماء والمتكلّمين :
إحداهما انّ العالم حادث أو قديم ؟ وبعبارة أنسب : هل العالم حادث بحدوث واقعي مسبوق بالعدم في متن الواقع سواء كان مثل سبق اجزاء الزمان