التعامل مع جهة الدليل ، أي ( السند ) ، بحيث نجده في هذا الحقل ( متشدّدا ) بنحو ملحوظ لا يكاد يماثله فقيه آخر ، إلّا نماذج معدودة قديما وحديثا عرفت بتشدّدها أو مبالغتها في التعامل مع السند . وقد انعكس هذا الاهتمام بالسند حتّى على ( لغته ) - في نسيجها الخارجيّ ، بمعنى أنّ صياغته اللغويّة في الممارسة تطفح على سطحها عبارات ربّما يستخدمها المتشدّدون في السند بقدر ما يكتفون بالإشارة إلى نمط الرواية : الصحيحة أو الحسنة أو الموثّقة . . إلخ ، كأن يقولون مثلا ( صحيحة فلان ، أو في الصحيح من . . . ) ، إلّا أنّ فقيهنا لا يكتفي بذلك بل يحدّد هوية الرواية حتّى في المواقف التي تهمل الإشارة إليها ، فمثلا عندما يشار إلى الأخبار غير المخدوشة سندا في الجملة ، أي دون الاستشهاد بها في موقف فقهيّ يصطلح عليها بالأخبار ( المعتبرة ) دون تحديد لهويّتها الصحيحة أو الحسنة أو الموثّقة ، وهذا ما يتوفر عليه المحقّق الأردبيليّ أيضا في الجملة كأن يقول مثلا : « للروايات المعتبرة الدّالّة على عدم . . . » « 1 » . وهو أمر مألوف لدى الفقهاء بعامّة ، إلّا أنّ فقيهنا يتجاوز ذلك ليحدّد - حرصا منه على تفصيلات السند - هويّته « الصحيحة » أو « الحسنة » فيقول :
« قد يراد بالمطهّرين ( أي قوله تعالى :
لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ
) غير المحدثين بالحدث الأكبر ، وليس خبر صحيح ولا حسن صريح هنا فيه ، بل ظاهرا أيضا . . . الخ » « 2 » .
فالملاحظ هنا أنّ المؤلّف قد أفرز هويّتي « الصحيح » و « الحسن » مع أنّه بمقدوره أن يقول ( ليس خبر معتبر صريح . . إلخ ) كما هو المألوف في أمثلة هذا العرض للأخبار . إلّا أنّ حرصه - كما أشرنا - على تدقيق السند - حتّى لو لم يترتّب عليه أثر ذو بال - يدفعه إلى تحديد هويّته بالنحو المذكور . ولعلّ التفاوت بين درجة الاعتبار للأنماط الثلاثة ، أي : إعطاء الصحيح درجته الأولى ، والحسن درجته
هامش
( 1 ) - مجمع الفائدة والبرهان 1 : 137 .
( 2 ) - مجمع الفائدة والبرهان 1 : 71 .