لمخالفته إجماع الإمامية بل المسلمين كافة فان العلماء مع اختلافهم في حدّ البلوغ بالسن مجمعون على أن البلوغ الرافع للحجر هو الّذى يثبت به التكليف وان الّذى يثبت به التكليف في العبادات هو الّذى ثبت به التكليف في غيرها وانه لا فرق بين الصّلوة وغيرها من العبادات فيه إلى آخر ما ذكر في توضيح ذلك .
قلت : ومثله احتمالهما ان اختلاف هذه النّصوص لاختلاف الصّبيان في الفهم والذّكاء وقوة العقل ونحو ذلك فإنّه أيضا بعيد جدا لأنّ أحكام الشّرع مجعولة على جميع النّاس على سواء بملاحظة الأوسط منهم والمتعارف بلا دخل للأمور المذكورة فيها مع أنها ليست ظاهرة متميزة عندهم وليس لهم من الشّرع مرجع لتشخيص المقدار المعتبر منها على اختلافها وانه يلزم ان يتسامح فيه الأكثر .
واما ما في النصوص المعتبرة من أن الصبى تجب عليه الصّلوة إذا عقل والصوم إذا أطاق ومقتضاه اختلافهما في الوجوب وفي العقل والإطاقة فلا ريب في أن المراد استحباب امره واخذه بهما شديدا ولذا ورد في بعضها انّه يعقل الصّلوة ليست سنين .
وحاصل : المقام انه لا ريب في أن المستفاد من الآيات كقوله تعالى :
« حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ
وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا »
ومن النّصوص المتواترة من الخاصة والعامة ان الأصل في بلوغ الرّجال هو الاحتلام ولكنّه ليس مضبوطا فربما يحتلم في ثلث عشر سنة أو أقل وربما لا يحتلم في ست عشر أو أكثر بل مطلقا ولازمه التفاوت الفاحش في ترتيب الأحكام الكثيرة من الفرائض والمحرّمات والحدود فلذا جعل الشّارع لها حدّا من السن الّذى يحصل فيه الاحتلام غالبا كما في سائر موضوعات الأحكام من أوقات الصّلوة وحدود الزكاة وغيرهما لئلّا تقع الشبهة في أحكام الدّين كثيرا وهذا معلوم من مذهب الاماميّة وجمهور العامّة سوى داود الظّاهرى حيث حكى عنه عدم الاعتبار بالسن أصلا وهو شاذ ضعيف مخالف للنصوص المستفيضة من الطرفين ولكن وقع الكلام بينهم في تعيين الحد المذكور من