حجّة للحاكم أم لا ؟ أمّا البحث في انّه هل يجوز للشخص أن يكتب ما يعلمه ويرسله إلى القاضي فليس بمهمّ إلّا انّه في معرض التهمة على الحرص على الأداء وهو خارج عن محلّ البحث .
والشيخ رحمه اللّه في الخلاف لم يتعرّض لهذا الفرع بل إنّما تعرّض لفروع أخر شبيهة أو قريبة إلى هذا الفرع فذكر في آداب القضاء :
إذا ارتفع إليه خصمان فذكر المدعي انّ حجّته في ديوان الحكم فأخرجها الحاكم من ديوان الحكم مختومة بختمه ، فإن ذكر انّه حكم بذلك حكم له ، وإن لم يذكر ذلك لم يحكم له به وبه قال أبو حنيفة ومحمّد والشافعي . وقال ابن أبي ليلى وأبو يوسف : يعمل عليه ويحكم به ، وإن لم يذكره لانّه إذا كان بخطّه مختوما بختمه فلا يكون إلّا حكمه . دليلنا : قوله تعالى :
وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ
فإذا لم يذكره لم يعلم ولانّ الحكم أعلى من الشهادة ، بدلالة انّ الحاكم يلزم والشاهد يشهد ، ثمّ ثبت انّ الشاهد لو وجد شهادته تحت ختمه مكتوبة بخطّه لم يشهد بها ما لم يذكر ، فبأن لا يحكم بها إذا لم يذكر أولى ولانّ الخطّ يشبه الخطّ ومعناه انّه قد يكتب مثل خطّه ويحتال عليه ويتركه في ديوانه فلا يجوز قبول ذلك إلّا مع العلم . « 1 »
ويستفاد من هذه العبارة ، انّ نفس الكتابة غير حجّة لدى القاضي بمعنى انّ ما كتبه القاضي ولو ختم بختمه ما لم يذكر انّه حكم بذلك الحكم ، فليس بحجّة خلافا لابن أبي ليلى وأبو يوسف ، واستدل على ذلك بقوله تعالى :
وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ
. وذهب في هذه العبارة إلى انّ الشاهد لو وجد شهادته مكتوبة بخطّه ، لا يجوز الشهادة بسببها ما لم يذكر . فيستفاد من كلامه قدّس سرّه عدم اعتبار الكتابة ما لم يصل إلى حدّ الذكر والعلم ، فليست حجّة شرعية تعبّدية مستقلة ، لانّ الخطّ يشبه الخطّ والكاتب قد يكتب مثل خطّه ويحتال عليه .
هامش
( 1 ) - سلسلة الينابيع الفقهية ، ج 33 ، ص 10 ( كتاب الخلاف ، مسألة 17 ) .