الكفّار يفترون على اللّه الكذب بجعل الحلال حراما وبالعكس ، ويقولون اللّه جعله كذلك ، ولا يعرفون الحلال من الحرام والمبيح من المحرّم والأمر من غيره ، ولكن يقلدون آبائهم ، ولا يسمعون المعقول كما يفهم من قوله :
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ
.
الواو للحال والهمزة دخلت عليها إنكارا للفعل على هذه الحالة أي :
احسبهم ما وجدوا عليه آبائهم ولو كانوا جهلة ضالّين .
والمعنى : الاقتداء إنّما يصحّ بمن علم انّه مهتد عالم ، وذلك لا يعرف إلّا بالحجّة فلا يكفي غيرها من التقليد .
اعلم انّ في هذه الآيات دلالة على . . . انّ التقليد غير جائز في مقابلة الدعوة إلى اللّه وإلى الرسول بل مطلقا ما لم يكن المقلّد مهتديا فيدلّ على جوازه مع العلم بانّه مهتد .
ففيه جواز التّقليد في الجملة وذلك غير بعيد ولكن ليس بتقليد حقيقة لانّه لم يعلم انّه مهتد وانّ من اتّبعه كذلك إلّا مع دليل يدلّ على انّ المتبوع والمقلّد هاد ومهتد ، وفي اتّباعه هداية ورشد ، وحينئذ هو خارج عن التّقليد المذموم ، بل عن التّقليد ، فانّه حقيقة تابع للدّليل ، إذ لا فرق في اتّباع الدّليل بين أن يكون المتّبع شخصا أو غيره ، ولهذا قالوا التّقليد هو قبول قول الغير بغير دليل على القبول ، وانّ تقليد الأنبياء بل تقليد المجتهدين ليس بتقليد ، بل استدلال كما في المجتهد لتحقيق مسألة بدليل ، وإنّما يقال له التقليد بمعنى آخر غير المعنى الّذي هو مذموم وغير مجوّز ، فتقليد المجتهد حسن وجائز بل واجب بعد وجود دليل على ذلك كاجتهاد المجتهد وهو ظاهر ومبيّن في الأصول ، وهو المراد بالتقليد المفهوم
أَ وَلَوْ كانَ
الآية وأمثاله ، والذي لا يجوز ومذموم كما يدلّ عليه قوله تعالى :
وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ
وأمثاله ، أي لا تقل ولا تفعل إلّا ما