أقول : في مثل هذه الأحوال يجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ومكافحة المنكر ، والعمل على إزالته ، مهما تطلّب الأمر من الدماء والمتاعب والأضرار في الأنفس والأموال ، وأنّ إصدار أحكام ثابتة وقطعيّة في تحريم الخروج على الحكّام الظالمين ، وتحريم إزعاجهم وإثارة الفتن في وجوههم ، وتحريم مقارعتهم ومقاومتهم ، يزيد هؤلاء الحكّام إمعاناً في مقارفة المنكرات والظلم والفساد .
وليس شيءٌ أرضى إلى هؤلاء الحكّام الذين يقترفون كبائر الإثم ، ويمارسون أبشع أنواع الظلم ، من أمثال هذه الفتاوى التي نجدها نحن - للأسف - في تاريخ الإسلام كثيراً ، هذا أولًا .
وثانياً : أنّ هذا الحكم لو صحّ في بعض موارد باب « التزاحم » ، عندما يكون اجتناب الفتنة أهمّ من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فهو حكم ثانوي طارئ ، والحكم الأولي هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والعمل على إزالة المنكر ، ومكافحته ، والنهي عن إطاعة الظالمين والمسرفين ، والأمر بالإعراض عنهم ورفضهم ، والكفر بهم . وليس من الصحيح الإعراض عن الحكم الأولي الثابت في الشريعة إلى الأحكام الثانوية الطارئة ، إلّافي مواردها المنصوصة في الشريعة .
والحكم الأولي الثابت في الشريعة هو قوله تعالى :
وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ
« 1 » .
وقوله تعالى :
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيداً
« 2 » .
هامش
( 1 ) . هود : 113 .
( 2 ) . النساء : 60 .