الآخر ، فيكون المقيَّد هو الآخر لا محالة . فالمدار إذاً في هذه المسألة هو تشخيص الأهمّ من المهمّ .
وهذا أمر « متغيّر » ، يختلف من حالٍ إلى حال ، ومن حاكمٍ إلى حاكمٍ ، ومن منكرٍ إلى منكر ، ومن مجتمعٍ إلى مجتمع ، فلا يمكن إعطاء أحكام ثابتة في مثل هذه المسائل . فقد يكون المجتمع صالحاً قويّاً ملتزماً بحدود اللَّه وأحكامه ، وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والحاكم الذي يقترف الظلم حاكم ضعيف ، يمكن إزالته من دون مشاكل وأضرار كبيرة ، ففي هذه الحالة يقدّم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الأمر بالحفاظ على الأنفس والأموال من الفتن والأضرار والهلكة .
وقد يكون الأمر بالعكس ، فيقدّم الحكم بالمحافظة على الأنفس والأموال والأعراض على حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
وعلى العموم الأمر يختلف في تحديد الأهمّ وتشخيصه من المهم بين الحكمين من موردٍ إلى مورد ، ولا يمكن إعطاء حكمٍ عامٍ في هذه المسألة بناءً على هذا الدليل .
ويتّفق كثيراً أنّ الحاكم يمارس أبشع أنواع المنكرات ويقترفها ، ويتجاوز حدود اللَّه وأحكامه ، وينتهك حرماته سبحانه وتعالى ، كما كان الأمر في يزيد بن معاوية ، الذي يقول عنه الحسين عليه السلام كما في رواية الطبري :
ألا ترون أنّ الحقّ لا يُعمل به ، وأنّ الباطل لا يُتناهى عنه ؟ ليرغب المؤمن في لقاء اللَّه محقّاً ، فإنّي لا أرى الموت إلّا سعادةً ، ولا الحياة مع الظالمين إلّابرماً « 1 » .
ويقول عنه الحسين عليه السلام :
ألا وإنّ هؤلاء ( يعني بني أُمية ) قد لزموا طاعة الشيطان ، وتركوا طاعة الرحمن وأظهروا الفساد ، وعطّلوا الحدود ، واستأثروا الفيء ، وأحلّوا حرام اللَّه ، وحرّموا حلاله ، وأنا أحقّ من غيّر « 2 » .
هامش
( 1 ) . تاريخ الطبري ، 7 : 301 في حوادث سنة 61 ه .
( 2 ) . المصدر السابق : 300 .