تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ولاية الأمر ، دراسة فقهية مقارنة — صفحة 287

مساهمون:

ص٢٨٧

المناقشة

أقول : أولًا : أنّ مآل هذا الاستدلال من ناحية فنّية إلى تقديم الأهمّ على المهم في باب « التزاحم » ، ومن دون أن ندخل التفاصيل الفنّية لباب التزاحم ، نقول : إنّ لدينا هاهنا حكمين وهما : الأول : وجوب النهي عن المنكر ، وإزالة المنكر وتغييره ومكافحته ، حتّى لو تطلّب ذلك إراقة الدماء وتحمّل المتاعب . والثاني : اجتناب الفتن الاجتماعية التي تودّي إلى إراقة الدماء ، وانتهاك الأعراض ، وإضرار الناس . وكلٌّ من الحكمين في وضعه الأولي مطلق ، يعني : أنّ النهي عن المنكر يجب حتّى لو تطلّب إراقة الدماء ، وتجنّب الفتن الاجتماعية يجب حتّى في موضع النهي عن المنكر . وهذان حكمان مطلقان متخالفان ، فإذا اجتمعا في موضعٍ واحدٍ ، كما يحصل في الإنكار على الحكّام الظالمين ، ومكافحتهم ، ونهيهم عن الظلم ، وإزالتهم عن موقع السلطان والنفوذ في المجتمع ، فإنّ هذا الإنكار يؤدّي إلى مقارعة الحكّام الظالمين ، وبالتالي إلى سفك الدماء ، وانتهاك الأعراض ، وإضرار الناس بأضرارٍ بليغةٍ ، وهو أمر قد حرّمه اللَّه تعالى . فيجتمع في هذا الموضع إذاً حكمان : أحدهما : وجوب الإنكار على المنكر وتغييره وإزالته ومكافحته ، وثانيهما : وجوب الاجتناب عن الفتن الاجتماعية والسياسية التي تؤدّي إلى سفك الدماء وانتهاك الأعراض . ولأنّ المكلّف لا يقدر على امتثال الحكمين معاً ، كان لابدّ بحكم العقل ، من تقديم الأهمّ على المهمّ . وبلغة فنيّة : لابدّ من تقييد إطلاق أحد الحكمين ، فإذا كان أحدهما أهمّ من