كان بسبب نقض البيعة من ناحية الناكثين والمارقين ، وليس بسبب الإقدام على الإعلان عن حكومة جديدة ونظام جديد في عرض ولاية الإمام عليه السلام وحكومته .
أقول : حتى على هذا الفرض ، لا يصحّ مثل هذا الافتراض في صفّين ؛ فإنّ معاوية ومن كان يتبعه من أهل الشام لم يبايعوا الإمام عليه السلام من قبل كي يصحّ أن يقال عنهم :
إنّهم نقضوا البيعة ، وإنّ الإمام عليه السلام قاتلهم بدليل نقضهم للبيعة ، كما كان شأن الإمام عليه السلام مع الناكثين والمارقين ، حسب هذا الفرض ، ولا يبقى سبب آخر للقتال .
إلّا أنّ الإمام عليه السلام كان يرى أنّه لا يحقّ لأحد أن يتصدّى للولاية والإمرة مع قيام حكومة شرعيّة على وجه الأرض ، وكان يرى أنّ البيعة التي تمّت له في المدينة من قبل المهاجرين والأنصار ملزمة لكل المسلمين على وجه الأرض ، وكل تمرّد وعصيان لهذه الولاية - بعد انعقادها بالبيعة - هو من البغي الذي يأمر اللَّه تعالى بمكافحته والقضاء عليه ، وكلام الإمام عليه السلام صريح وواضح في هذا الشأن :
يقول عليه السلام :
وإنّما الشورى للمهاجرين والأنصار ، فإن اجتمعوا على رجل وسمّوه إماماً كان ذلك للَّهرضىً ، فإن خرج عن أمرهم خارج بطعنٍ أو بدعةٍ ردّوه إلى ما خرج عنه ، فإن أبى فاقتلوه على اتّباعه غير سبيل المؤمنين ، وولّاه اللَّه ما تولّى « 1 » .
ويقول عليه السلام في موضع آخر :
لأنّها بيعة واحدة ، لا يثنَّى فيها النظر ، ولايستأنف فيها الخيار ، والخارج منها طاعن ، والمُرَوِّي فيها مداهن « 2 » .
هامش
( 1 ) . نهج البلاغة : 367 ، الكتاب رقم ( 6 ) .
وقد روى هذا الكلام عن الإمام عليه السلام قبل الشريف الرضي نصر بن مزاحم في كتابه ( وقعة صفين ) : 29 ، وكذلك ابن قتيبة في ( الإمامة والسياسة ) 1 : 93 ، وابن عبد ربه في ( العقد الفريد ) 4 : 322 ، والطبري في ( التاريخ ) 5 : 235 ، ط - ليدن ، وابن عساكر في ( تاريخ دمشق ) : فيترجمة معاوية بن أبي سفيان . وتمسّكت المعتزلة بهذا الكلام على شرعية الإمامة بالاختيار والبيعة ، انظر : شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3 : 302 .
( 2 ) . برواية الشريف الرضي في ( نهج البلاغة ) : الكتاب رقم ( 7 ) ، وكذلك ابن الأعثم في ( الفتوح ) 2 : 431 ، والمبرّد في ( الكامل ) 1 : 193 ، ونصر بن مزاحم في ( وقعة صفّين ) : 64 .