تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 526

مساهمون:

ص٥٢٦
وحلّت محلّ الأُخوّة الإسلامية ، كما ساد التعصّب المذهبي وحلّ محلّ الحرّية الفكرية التي قرّرها القرآن العظيم ، وأطلّت السياسة من ثغرات الأهواء على أهل العلم ، فرسمت لهم مناهج البحث لتأييد ما يريدونه ، بدل أن يوجّه العلماء بأبحاثهم أهل السياسة إلى وسائل الخير وسبل الإصلاح ، فحجروا على العقول وقيّدوها بما يشبه العقيدة ، وزعموا أنّ للاجتهاد باباً فأغلقوه ؛ حتّى لا ينظر أحرار الفكر من خلاله في صوالح الأُمّة ، فجعلوا الدين إرثاً وتقليداً ، لا عقيدة يؤمن بها المسلم عن طريق الفكر والاقتناع ، وبذلك يصدق قول القائل : « إنّ المسلمين غير مؤمنين » ، وصحّ وصف الإمام الشيخ محمّد عبده للمتعلّمين ب « أنّهم يتعلّمون كتباً لا عملًا » ، ووقف رجال المذاهب الإسلامية جامدين على مذاهبهم ، حتّى خيّل جمودهم لبعض الغربيّين أنّ هذه المذاهب في الإسلام تشبه الأناجيل في المسيحية ، أي : أنّه خلاف في جوهر الدين وحقائقه الأصلية ، لا في الأعراض والفروع ! ولعلّ القارئ الكريم يشاركني في القول : بأنّ صلاح هذه الأُمّة الإسلامية اليوم منوط بصلاح علمائها وقادة الفكر فيها ، فهم منها بمثابة القلب ، إن صلح صلح الجسم كلّه ، وإن فسد فسد الجسم كلّه ، وإنّه لفرض على علماء الإسلام وقادة الفكر فيه أن يعملوا على جمع شتات أُمّتهم ولمّ شعثها في هذه الأيّام العصيبة التي تحيطهم فيها الأخطار من كلّ جانب ؛ ليتعارف المتناكرون ، ويتواصل المتقاطعون ، وليعودوا يداً على من سواهم ، يسعى بذمّتهم أدناهم ، متعاونين على رفع لواء الإسلام وإعزاز مكانة بنيه بين الأُمم ، وإنّ أيسر وسيلة لجمع الكلمة هو التقريب بين المذاهب الإسلامية . وقد سأل سائل : وكيف يمكن هذا التقريب مع اختلاف المذاهب في الأُصول والفروع ، لا في الفروع فقط ؟ ولعلّه قد خيّل للبعض أنّ المراد بالتقريب هو مزج الآراء وإدماج المذاهب حتّى تكون مذهباً واحداً ، وما كان لعالم أو جماعة من العلماء أن يحجروا على عقول دعاها اللَّه إلى النظر في ملكوته ، أو يقصروا الناس على إحدى طرائق الفهم أو بعض وسائل النظر ! وإذاً فما هو التقريب ؟ إنّه : دعوة إلى التعاون على البرّ والتقوى وإصلاح أحوال المسلمين بتوجيه طاقتهم