الوحدة ، ووحدة المعبود ، ووحدة الأصل ، ووحدة الأُمّة ، ووحدة الأهداف . . وقد رأى القارئ كيف ينطق القرآن صريحاً بتكليف الأُمّة الإسلامية بمختلف التكاليف ، ويقرّر مسؤوليتها عمّا كلّفت به ، مسؤولية حقيقية تشمل الفرد بوصفه فرداً ، وبوصفه عضواً في الأُمّة ، وأنّ أفراد الأُمّة متضامنون في تحمّل هذه المسؤولية واحتمال تبعاتها . . ورأى القارئ أنّ أولياء الأمر في هذه الأُمّة هم علماؤها وقادة الفكر فيها ، وأنّهم أوّل من تقع عليه المسؤولية ، وأنّهم محاسبون أمام اللَّه وأمام ضمائرهم وأمام الأُمّة عن سعادة المجموعة التي من شأنهم أن يوجّهوها إلى الخير بوصفهم عنوان الأُمّة ، وأهل القدرة على الاستتباع ، والقدوة الحسنة للمؤمنين بعد الرسول صلى الله عليه وآله ، وأهل القيادة الرشيدة الذين يتوخّون صلاح الأُمّة ويعملون على توجيهها إلى ما فيه صلاح الجميع ، فهم هداة يجلسون على أرفع مكان فوق القمّة ، يقولون الحقّ لا يسألون الناس عليه أجراً ، ويأمرون بالعرف ، وينهون عن المنكر ، ليس عليهم سلطان إلّالربّ العالمين في الأمر والنهي ، فإن قصّر هؤلاء القادة أو أهملوا واجبهم فهم آثمون أو غاوون :
« وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ »
( سورة الأعراف : 175 ) .
على أنّ تقصير القادة - إن أعذر بعض أفراد الأُمّة - لا ينجي الأُمّة نفسها من المسؤولية العامّة التضامنية التي تجمع أفرادها فيما يشبه سلسلة متساوية الحلقات لا يدري أين طرفاها ؛ لأن الإسلام يسر لا غموض في مبادئه ، وليس فيه أسرار يختصّ بها العلماء والقادة دون العامّة :
« وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ »
( سورة القمر : 17 ) .
ولقد أهمل قادة الفكر الإسلامي واجبهم ، ولم يؤدّوا للأُمّة ولا للَّهما عليهم ، في عصور مضت - معذورة أو غير معذورة - طبعت بطابع الجمود ، وخيّم عليها الهوى ، وتحكّمت فيها الشهوات السياسية ، فاستخدم العلم فيها لتركيز الدول وتأييد مذاهب الحكّام في إسراف بعيد عن حقائق الدين وروح الإسلام ، فتفرّقت الأُمّة شيعاً وأحزاباً
« كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ »
( سورة المؤمنون : 53 ) ، فاحتربت في سبيل سيادة بعض عناصرها لا في سبيل اللَّه ، ونقضت غزلها من بعد قوّة أنكاثاً ، وقطعت الأرحام ، وسادت فيها العصبيات الجنسية