بمهمّة الخلافة الأرضية التي اختير لها ووكّلت إليه منذ القدم . . وكذلك فالجمود على آراء المتقدّمين لمجرّد أنّهم متقدّمون فيه سلب لمزية الإنسان في التمييز بين الحقّ والباطل والملائم وغير الملائم . . فيقاد بالزمام ، وزمامه صور الآباء والأجداد ، فهي دائماً تجذبه القهقرى ، ولا تجد من نفسه عوناً على التقدّم ، فيقع في ضيق من الحياة المتجدّدة حوله :
« وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا »
( سورة الأعراف : 28 ) . . ويظلّ كذلك حتّى تنزل به غاشية من صولة الطبيعة النامية ، فتذهب به إلى حيث ذهب الغافلون . . فالجمود جناية على الفطرة البشرية ، وسلب لمزية العقل التي امتاز بها الإنسان ، وإهدار لحجّة اللَّه على عباده ، وتمسّك بما لا وزن له عند اللَّه » .
ولهذا دعا الشيخ شلتوت إلى ما أسماه « التجديد الانقلابي » - أي : الجذري والعميق - في العقلية الأزهرية خاصّة ، والعقلية الإسلامية عامّة ، وذلك حتّى تكون عصور الازدهار الحضاري هي المرجعية الفكرية لهذه العقلية ، وليس عصور التراجع الحضاري ، وحتّى تتزامل هذه الفكرة التجديدية مع فقه الواقع المعيش في التأسيس لفكر إسلامي أصيل وجديد في ذات الوقت .
وممّا قاله عن هذا « التجديد الانقلابي » لمؤتمر الملحقين الثقافيّين - وهو وكيل للأزهر - في 8 صفر 1378 ه / 24 أغسطس 1958 م : « إنّ هذا الذي نريده للأزهر هو في واقعه انقلاب ، ولكنّه انقلاب محبّب للنفوس الغيورة على ماضيها المتطلّعة إلى مستقبلها . .
انقلاب يصل بالعقلية الأزهرية إلى الفكر الأصيل يوم كان خالصاً في موقفه من القرآن ، وفي تعبيره عن تعاليم القرآن ، وهو في الوقت نفسه يربط العقلية الأزهرية أو الفكرة الإسلامية السليمة بالحياة الواقعية التي يعيش فيه العالم اليوم ، والتي تتجاذبها تيّارات فكرية متعارضة ، يجب أن يقف العقل الأزهري أمامها ؛ ليقي الجماعة الإسلامية غزوها ، وليحفظها من الانحلال والذوبان في غيره » . الانقلابي باعتباره « سبيل أُمّتنا إلى الزعامة » والإمامة في هذه الحياة . . ولقد كتب عن هذا المقصد فقال : « إنّ سبيل أُمّتنا إلى الزعامة هو مقاومة الفكر الوافد إلينا عن طريق الاستشراق والإلحاد ، هذا الفكر الذي من شأنه أن يزعزع القيم