كلّ فريق إلى معسكره ليحتمي بمشاهد زائفة وعصبية لا يبقي ضيق صدرها مكاناً للحوار ! وهي حالة يصفها باقتدار العلّامة محمود شلتوت في كتابه « مقارنة المذاهب » الصادر عام 1936 م ، يقول : « إنّ المتأخّرين حينما تحكّمت فيهم روح الخلاف وملكتهم العصبية المذهبية راحوا يضعون من القوانين ما يمنع الناس من الخروج عن مذاهبهم ، وانتقلت المذاهب بهذا الوضع عن أن تكون أفهاماً يصحّ أن تناقش فتردّ أو تقبل إلى التزامات دينية لا يجوز لمن نشأ فيها أن يخالفها أو يعتنق غيرها ، وحرّموا بذلك النظر في كتاب اللَّه وسنّة رسوله ، أو حرموا العمل بثمرة النظر فيهما ، ونشأ عن ذلك أن فترت الهمم ، ووقف الفقه الاسلامي ، واشتغل علماء المذاهب بالانتصارات المذهبية ، واختصار المطوّلات ، وشرح المختصرات . . وهكذا حرم الناس الفقه ، وحرموا ملكة الفقه . وقد وصل الانغلاق الفقهي مداه عندما يرد في باب « التعزير » من كتاب « الدرّ المختار » - والأصل في الأحناف أنّهم عقليّون - أنّ من ارتحل إلى مذهب الشافعي يعزّز ، ويرد في باب « الترجيح » في كتب الأُصول عند الشيعة الإمامية قديماً وحديثاً أنّه عندما تتعذّر أدوات الترجيح أمام الفقيه يرجّح بمخالفة « العامّة » ، أي : أهل السنّة ! » .
إنّ المسألة الفقهية في باب الخلاف أعمق من كونها تنوّعاً في الفروع لتصبح بنية معرفية تنتهي إلى ما أسماه الشيخ أبو زهرة بالافتراق النفسي ، فقد كانت كلّ طائفة تحسب نفسها مسلمين منفصلين عن الآخرين ، وكلّ فرقة تحسب أنّ أتباعها وحدهم هم المسلمون .
إنّ تلاقي الأكفّاء لا يبدأ بشعار توحيدي أو بكلمة ترحيب تزكّي شخصاً أو تمدح فكرة ، إنّه تعامل مع الجذور بإعلان خرائط جديدة ، يتمّ فيها حذف التشوّهات ، وتبرئة الساحة من خطاب الإدانة الذي يعتبر التراشق باللعنات من مقام الرضا ، وتحريرنا من شطحات الغلاة ، ومن تمرّد المتطّرفين في أيّجانب . . وتلك مهمّة صعبة تحتاج إلى أُولي العزم من النخبة المفكّرة ، وتحتاج إلى تكوين نفسي خاصّ ، وإلى تحصيل علمي صحيح ورحب .
موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 424
مساهمون: محمد الساعدي
ص٤٢٤