تدوم مع دوام العافية والحيوية الفكرية للفرد والجماعة ، ولكن تلكما العافية والحيوية تستمرّان وتزكوان مع التواصل والتفاعل ، وتضعفان - وقد تتوقّفان - مع الانغلاق والانعزال . . والذي قد يقول بالتخلّي عن المذاهب تماماً كأنّما يقول بإنكار الواقع وإهدار التاريخ ! وإنّما المطلوب والمأهول أن تكفل مع حياة الإسلام عقيدة وشريعة وحيوية الفكر الإسلامي والفقه الإسلامي ، فيكون نشاط الفقه المذهبي في إطار من الوحدة الكلّية للإسلام ، ومؤكّداً لهذه الوحدة الأساسية الجامعة . وإنّما يتحقّق ذلك بتقرير خطوات منهجية يلتزمها العرض المذهبي ، تضمن إثراء المذهب بالبحث مع تأكيد انبثاقه عن المورد الإسلامي الموحّد الأصل ، ومن ثمّ اجتماعه مع المذاهب الأُخرى على هذا المورد ، وتعامله معها تعامل الأُخوة المتقاربين في تحاور ودود يؤكّد الأصل الجامع مهما تفرّعت الفروع .
وأوّل هذه الخطوات المنهجية تسليط الضوء على قيام المذاهب والظروف المصاحبة لذلك ، حتّى تتبيّن بجلاء ( تاريخية ) الظاهرة وأنّها ليست أصلًا في الدين قامت بقيامه في حياة رسوله ( عليه الصلاة والسلام ) ، وتتأكّد ( إنسانية ) تلك الظاهرة كما يبرز ( دوام ) الإسلام في مجموعه الكلّي عقيدة وشريعة و ( ذهنية ) الاختلاف ، و ( شمول ) الإسلام الجامع ، و ( جزئية ) الاختلاف الخاص بالمذهب . ويكون هذا التنوير التاريخي الكاشف موضوعياً أميناً قدر طاقة الإنسان المؤمن بربّه وبمسؤوليته عن كلمته كيف صدرت وإلى أين تؤدّي ، بحيث ينصف المذهب المعروض والمذاهب الأُخرى على السواء ، ويقدّم الصورة الحقّة لمنهجيات الحوار والاختلاف وأخلاقياته في رسالة الإسلام . وعلى هذا النحو يتعزّز القول بأنّ المذاهب الإسلامية ( تنزع في إطار وحدة الإسلام ) ، لا تناقض وتصادم بين شراذم لا تجتمع على شيء مشترك .
ولعلّ في الاهتمام بتاريخ المذاهب مع استثمار المعرفة التاريخية المتطوّرة في تنميته وإثرائه وتحليله ما يحقّق ما سلف بيانه من الوعي بوضع الاختلاف المذهبي وحجمه الصحيح بالنسبة لرسالة اللَّه الكلّية الخالدة وحقائقها الكبرى المجمع عليها بين المسلمين ، ولعلّ استنارة بحث هذا التاريخ ببحوث التاريخ الاجتماعي للمسلمين ممّا يعود بالنفع
موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 405
مساهمون: محمد الساعدي
ص٤٠٥