ميدان علم الكلام . . والجهد التقريبي الغائب والمطلوب هو نزع « الألغام الفكرية - التكفيرية » التي تقصم وحدة الأُمّة بالتكفير لفريق من الفرقاء أو مذهب من المذاهب ؛ لأنّ التكفير هو نفي للآخر ، يقصم وحدة الأُمّة ، وهو خطر لا علاقة به بالفقه الذي هو علم الفروع ، ولا بالاجتهادات والاختلافات الفقهية التي هي ظاهرة صحّية ، تثمر الغنى والثراء في الأحكام واليسر والسعة للأُمّة كلّها في تطبيق هذه الأحكام .
وإذا كانت هذه « الألغام الفكرية - التكفيرية » التي تتغذّى بها وعليها عقول قطاعات من العلماء في بعض الحوزات العلمية ، وفي بعض الدوائر الفكرية السنّية ، كما تتغذّى عليها نزعات التعصّب عند العامّة ، إذا كانت هذه « الألغام » قد غدت راسخة ، بل و « متكلّسة » ! فإنّ الموقف الممكن والعملي إزاءها يمكن تصوّره فيما يلي :
1 - تحديد نطاق هذه « الألغام الفكرية - التكفيرية » ، وأغلبها لحسن الحظّ نابع من نقل القضايا الخلافية من نطاق « أُصول الاعتقاد » ، وتحويلها من ثمّ إلى عوامل « نفي وتكفير » للمخالفين .
2 - اعتماد منهاج وسنّة التدرّج في تطبيق خطّة إزالة هذه « الألغام الفكرية - التكفيرية » من الكتب التراثية ، وخاصّة الذي يدرّس منها في الحوزات العلمية والجامعات الإسلامية ، وذلك بحذفها من الطبعات الجديدة لكتب التراث هذه . . وفق المنهاج المتعارف عليه في « تهذيب » كتب التراث .
3 - الاتّفاق في إطار حركة التقريب بين المذاهب الإسلامية على منع تدريس هذه ( الاجتهادات التكفيرية ) في الحوزات والجامعات الإسلامية التي تكوّن عقول العلماء في مختلف بلاد الإسلام . . ولنا في منهاج الأزهر الشريف النموذج والقدوة في هذا الميدان ، فهو يحتضن كلّ مذاهب الأُمّة الفقهية والكلامية سلفها وخلفها على حدّ سواء ، مع استبعاد التكفير والتفسيق لأيّ مذهب من المذاهب أو فرقة من الفرق الإسلامية ؛ حفاظاً على وحدة الأُمة التي هي فريضة إلهية تعلو فوق اجتهادات المجتهدين ومذاهب المتمذهبين .
ذلك هو الميدان الحقيقي للجهاد الفكري في التقريب بين المذاهب الإسلامية . . إنّه
موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 382
مساهمون: محمد الساعدي
ص٣٨٢