فضلًا عن التوحيد لهذه الاجتهادات فقط يزيد احتضان الاجتهادات المذهبية الفقهية المتنوّعة ، والاستفادة بالملائم من أحكامها للتيسير على الناس ولمواكبة المستجدّات .
وثانياً : إنّ الفقه هو : علم الفروع ، وتمايز الاجتهادات فيه واختلاف المجتهدين في أحكامه لم يكن في يوم من الأيّام يمثّل مشكلة لوحدة الأُمة ، بل كان مصدر غنى وثراء للعقل الفقهي والواقع الإسلامي على السواء . . وفي الفقه كان الأئمّة والعلماء المختلفون في المذاهب يتتلمذ الواحد منهم على من خالفه في المذهب ، بل ورأينا في تراثنا من العلماء الأعلام من يجمع المذاهب المتعدّدة في فقهه وعطائه ، فيفتي وفق مذهب ، ويقضي وفق مذهب ثانٍ ، ويدرّس كلّ المذاهب لطلّاب علمه ومريديه . فاختلاف المذاهب الفقهية هو ظاهرة صحّية في الفكر الاسلامي ، وهو مصدر من مصادر الغنى والثراء لهذا الفقه ، ولا يمثّل أيّة مشكلة لوحدة أُمّة الإسلام . . ومن ثمّ فليس هو الميدان الحقيقي والأولى للجهاد الفكري في التقريب بين مذاهب المسلمين .
وثالثاً : إنّ الميدان الذي كان ولا يزال يمثّل مشكلة لوحدة الأُمّة التي هي فريضة إلهية وتكليف قرآني هو ميدان بعض الاجتهادات المذهبية في المذاهب الكلامية الإسلامية . .
وعلى وجه التحديد أحكام « التكفير » و « التفسيق » التي نجدها في تراث هذه المذاهب ، والتي ارتبطت بقضية الإمامة على سبيل الحصر والتحديد .
إنّ اختلاف مذاهب الفقه السنّية والشيعية حول « نكاح المتعة » مثلًا لا يمثّل مشكلة تقصم وحدة الأُمّة الإسلامية . . لكنّ الاجتهادات التي تكفّر الصحابة الذين أخّروا خلافة علي بن أبي طالب هي التي تهدّد وحدة الأُمة منذ عصر الخلافة وحتّى هذه اللحظات .
ومثلها الاجتهادات التي تكفّر الشيعة في بعض كتب التراث السنّي ، كما هو الحال عند ابن تيمية وبعض الأئمّة « السلفيّين » . . ويضاف إلى هذه المسائل بعض الآراء التي توهم التجسيد والتشبيه للذات الإلهية ، وبعض المواقف الحادّة في ميدان التصوّف والصوفيّين .
فالتقريب بين المذاهب - والذي يمثّل الميدان الحقيقي للجهاد الفكري المطلوب - هو الذي يوحّد الأُمّة في الأُصول والثوابت وفي أُمّهات العقائد والمسائل الفكرية ، وهذا هو
موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 381
مساهمون: محمد الساعدي
ص٣٨١