أُستاذه السيّد جمال الدين تأثّر بأُسلوبه . ومع ما يقال فإنّ الشيخ لن يتخلّى يوماً عن الأهداف السياسية العامّة لأُستاذه .
ونظراً لما يحمل من عمق فكري وتجربة عملية ورأي وقّاد نهج الأُسلوب التعليمي والتثقيفي لإقامة تغيير فكري وإصلاح ثقافي في أوساط المجتمع الإسلامي ببذل الجهد المتواصل في طريق إقامة الحكومة الإسلامية وتوحيد الصفّ بين أبناء الأُمّة الإسلامية .
برأي الشيخ عبده - وذلك كما جاء في « رسالة التوحيد » - أنّ المسلمين الأوائل بعد إعلامهم التآخي بين العقل والدين بأمر من القرآن الكريم وصلوا إلى مرتبة التوحيد ، ونظراً لانشغال المسلمين ( في زمن الخليفتين الأوّلين ) في بناء الحكومة الإسلامية وتثبيت أركانها لم تتح لهم الفرصة لتقوية المبادئ العقلية الإيمانية ، وفي حين ظهور أيّ اختلاف في المسائل العقائدية والفقهية الفرعية التي هي الأكثر كان الرجوع فيها إلى الخليفة ثمّ الحلّ .
لكن الحوادث التي وقعت في زمن الخليفة الثالث والتي نتيجتها الفتنة الكبرى كما قد تسمّى ممّا أدّى إلى تخطّي الحدود الشرعية وقتل الخليفة ، عند ذلك وقع الاختلاف والانقسام بين المسلمين ، كما يرى الشيخ ، فازدهر سوق جعل الحديث واختراع الروايات والتأويلات ، وقام البعض بتكفير البعض الآخر ، وقد حصل هذا الأمر في زمن كان الإسلام قد دخل إلى الشعوب الأُخرى وأصبحت جزءاً من الجسد الإسلامي الكبير . لكن رغم نشاط كثير من الشخصيات العلمية المتمسّكة بالعقل والنقل نلاحظ أنّ بعض العناصر المتظاهرة بالصلاح والإصلاح جلبت أفكار منحرفة متداولة قبل الإسلام ، وأقاموا الشبهات والشكوك في أوساط المجتمع الإسلامي ، ممّا استوجب النزاع بين أصحاب العقل والنقل آنذاك ، فالإفراط والتفريط في تقديم الحلول لكلا الطرفين أوجد تقابلًا بين العقل والشرع أو العقل والإيمان ، وبعد مزج الفلسفة بعلم الكلام وإنتاج علم واحد كانت أرضية التقليد قد استحكمت شيئاً فشيئاً ، وأخذ التقليد مكان العقل ، وأدّى إلى التوقّف في مسيرة التطوّر العلمي لدى المسلمين . فإنّ الطرح الذي قدّمه الشيخ عبده بشكل بسيط وبعيداً عن الزوائد والتمظهر نال إعجاب المفكّرين والعامّة ؛ لأنّ القصد منه التأكيد على أنّ التعقّل والتفقّه
موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 345
مساهمون: محمد الساعدي
ص٣٤٥