تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 340

مساهمون:

ص٣٤٠
والاعتقادات الدينية لدى المتأثّرين بالمدنية ، بل تقلّ لديهم فرص تنقية هذه الأفكار والعقائد بتلقّي العلوم الحديثة الوضعية وممارسة أساليب الحياة العصرية في العمل أو في المعيشة ، ولا يجعل الإنسان أقدر على تصحيح أفكاره الدينية ، بل يجعله أميل إلى التقليد واتّباع من يظنّ فيهم التخصّص ؛ إذ المغالاة في الإيمان بالتخصّص من سمات المدنية الحديثة ، ومثل هذا الإنسان قد تلقّى أفكاره المتعلّقة بطائفة وموقفها من غيرها من الطوائف الإسلامية بلا بحث نقلًا عمّن يظنّ أنّهم أكثر علماً بها منه ، وتلقّى معها شحنة الكراهية والعداوة المصاحبة لهذه الأفكار ، وكلّ ما يميّزه عن سواه أنّه يتحاشى ما أمكنه الجهر بهذه العداوة ، بينما يمارسها في الخفاء كلّ يوم على صور شتّى ، ومثله في حاجة إلى جرعة من التقريب قد لا تقلّ عن الجرعة التي يحتاج إليها من لم يتأثّر بالمدنية . على أنّه ممّا يستوقف النظر في المدنية الحديثة قدرتها الغريبة على إضعاف نفوذ الآباء والأُمّهات في جميع البلاد ، وهذا قد لا يكون شرّاً محضاً لو أتاح فرصة للأجيال الحديثة من أبناء المسلمين أن تتخلّص من تعصّب آبائها الطائفي وعداواتهم غير المعقولة . وإذاً ثمّة عزلة روحية ما تزال موجودة بين بعض طوائف المسلمين على الأقلّ مشحونة بالكراهية والعداوة برغم انتشار المدنية الحديثة وطرق النقل والتواصل والإعلام ، وبرغم ممارسة أساليب الحياة العصرية في العمل والمعيشة ، وليس لنا أن نعوّل في إصلاح ما بين المسلمين على تطوّر المدنية الحديثة بين طوائفهم ؛ لأنّ تطوّرها لا يسير في اتّجاه الإسلام ، وإنّما يسير في اتّجاه المذاهب والحركات المادّية ، ولو ترك المسلمون للمدنية الحديثة مهمّة إزالة التعصّب والعداواة بين طوائفهم فإنّها ستزيلهما مع إزالة الإسلام نفسه لتحلّ محلّهما تعصّباً أشدّ ضراوة هو تعصّب المذاهب والحركات المادّية . وقد قيل في نعي التقريب على تلك العزلة الروحية وما يصاحبها من اجترار العداوات والأحقاد : إنّ التقريب يطلب العسير حين يطلب أن يتناسى أهل هذا المذهب أو ذاك أجزاء من ماضيهم الطائفي وتاريخهم المذهبي عزيزة على نفوسهم فيها مواقف وحوادث وتضحيات وبطولات ونماذج يعيش عليها ولاؤهم لمذهبهم وتعلّقهم به ، والتقريب لا