أُخرى لا يعبدون نفس الربّ ، أو لا يتبعون نفس النبي ، أو لا يقرأون نفس القرآن ، أو ليست صلاتهم صلاة ، ولا زكاتهم زكاة ، ولا حجّهم حجّاً ، وأنّهم إمّا كفرة أو زنادقة على الجملة ! وتلك حال نشأت من العزلة الطويلة التي فرضها تبادل العداوات من قديم ، فصارت كلّ طائفة تجهل حقيقة إسلام أُختها ، وتصدّق في شأنها أراجيف وترهات ، وتتمثّلها في صور غريبة من الانحطاط الفكري والروحي .
قد يقال كما قيل : إنّ الحديث عن تلك العزلة وآثارها لم يعد له الآن موضع بعد أن زحفت المدنية الحديثة على بلاد الإسلام ، وقدّمت إليها المطبعة والصحافة والإذاعة والسيّارة والطيّارة والكهرباء والآلات والمصارف والبورصات والتعليم المدني والعلوم الوضعية ومشاركة المرأة في الأعمال والسياسة ، وبعد أن تغيّرت عادات المسلمين من حيث مأكلهم ومشربهم ومسكنهم وملبسهم وزينتهم وأشغالهم وفنونهم ولهوهم وحزنهم والاحتفال بموتاهم تغييراً أدّى إلى تقريبهم بعضهم من بعض ، وإلى إبعادهم عمّا اعتاده آباؤهم وآباء آبائهم ، بحيث إنّ العين لتجد مثلًا بين الإيراني والمصري الآخذين بالعادات الحديثة من وجوه المشابهة والتقارب ما لا تجده بين كلّ منهما وبين جدّه لو كان في المقدور رؤية جدّه بأكثر من عين الخيال ، وإنّ ما يرجوه التقريب ويسعى له ويستعجل حصوله حاصل فعلًا بلا ضجّة ودون أن تتلفّت إليه الأنظار بقوّة التقدّم الحضاري الذي يكتسح بلاد الإسلام ، وإنّ من وصلت إليهم المدنية الحديثة من المسلمين لم يعودوا يهضمون الخلافات الدينية ، أو ينظرون إلى ما يحدث بسببها من شغب وعنف إلّاعلى أنّه حمق مخجل وبقايا متخلّفة لعناصر غير متطوّرة ، وإنّ الفكرة العالمية عن الإنسان وحقوق الإنسان تشجب التفرقة الدينية أو المذهبية ، وهذه الفكرة تجد طريقها مع المدنية الحديثة والتعليم الحديث إلى عقول المسلمين في كثير من بلادهم ، ولم يعد الكثيرون منهم يقبلون أن يتّهموا بالتفرقة الدينية ، أو بعداوة أحد من أجل دينه أو مذهبه مخافة أن يتّهموا بالتخلّف والتأخّر والرجعية .
وهذا الاعتراض مردود أساساً : بأنّ المسلمين لا يستغنون عن الإسلام بالمدنية
موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 338
مساهمون: محمد الساعدي
ص٣٣٨