المصالح والأهواء .
وزاد مسعى هؤلاء سهولة وخطورة اتّصال الفقه الإسلامي بالدين ، ويسر الخلط بينه وبين الدين ذاته ، وشدّة حسّاسية عامّة الناس في أُمور الدين ، وقلّة رؤيتهم وصبرهم فيما يتّصل بها ، لهذا وغيره لابست مدارس الفكر الإسلامي من قديم في كثير من بلاد المسلمين عصبيات تجمّعت حولها طوائف من الناس جعلت في ظلّ الانتماء إلى هذه المدارس والمذاهب الإسلامية تتناحر على أسباب الرزق والجاه ، وعلى النفوذ السياسي والاجتماعي ، فلم يعد الخلاف بين هذه العصبيات خلافاً بين فكر وفكر وفقه وفقه ، وإنّما صراع على النفوذ والقوّة بين مصالح سياسية واقتصادية واجتماعية لا يهمّها خير الإسلام والمسلمين ، تختفي وراء عداوة جاهلة سافرة تذكّي نارها باستمرار بين الكتل المنتمية إلى هذا المذهب أو ذاك .
لقد تداول الناس في بلاد الإسلام تلك الدعاوى والاتّهامات الحمقاء عن طوائفهم جيلًا بعد جيل قروناً وأحقاباً ، كرهوا على أساسها وأحبّوا ، ومدحوا وذمّوا ، وعظّموا وأهانوا ، ودعوا ولعنوا ، ووصلوا وقطعوا ، ونصروا وخذلوا ، وأعطوا وحرّموا ، وهاجموا وهوجموا ، وقاتلوا وقوتلوا ، حتّى اختلطت هذه الركائز الشائهة بعواطفهم وتفكيرهم ، وصارت جزءاً من عقليتهم وسلوكهم ، يستغلّه ذوو الأغراض ، ويستخدمه أعداء الإسلام في محاربة الإسلام !
وهذا الاعتياد القديم على تبادل العداوات بعد أن جرّ على المسلمين الويلات في الماضي يوشك في الظروف الحرجة التي يمرّ بها الإسلام الآن أن يعصف بالإسلام نفسه ، وهو اعتياد ماكر مخادع يتلوّن ويتشكّل ، وتختلف صوره باختلاف الأشخاص وظروف المكان والزمان ، بين تبادل الاسترابة وتبادل الازدراء في الخفاء ، والترحيب بالأراجيف ، وتغليب ظنّ السوء ، ورفض التواصل والتعاون والاشتراك ، وتخذيل مساعي الأُخوّة بين المسلمين ، وتعطيل المشروعات وإفسادها ، وبين المجاهرة بالاتّهام والمقت واللعن والتكفير والعدوان على الأنفس والأموال والتحريض عليه ، وبين الاستعانة على المسلمين
موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 336
مساهمون: محمد الساعدي
ص٣٣٦