ولا يفهم ممّا أقوله أنّني أدعو إلى اللامذهبية ، معاذ اللَّه ، وكلّا ، وألف كلّا ، إنّما الذي أتمنّاه هو أن يستفيد المسلمون من تاريخهم الطويل وما عانوه من الانقسامات والفتن ، وأن يوظّفوا ممّا توفّر للإنسانية جمعاء من أسباب التواصل والقرب وما وفّرته ثورة المعلومات من فتوحات علمية تفوق الخيال ، وأن يوظّفوا ذلك لجعل الاختلافات الاجتهادية عوامل إثراء وإغناء ، يجد فيها معاشر المسلمين الحلول لما يعيشونه في كلّ ديارهم وحيثما كانوا من تحدّيات وصعوبات للتوفيق بين ما يدعوهم إليه دينهم وما يقتضيه واقع حياتهم من التزامات .
إنّ بوادر عمل من هذا القبيل برزت في الآونة الأخيرة هنا وهناك ، تمثّلت في عقد ندوات ومؤتمرات للتقريب بين المذاهب الإسلامية وجعلها تتعاون فيما تتّفق فيه ، وهو كثير وكثير جدّاً ، وفي تجنّب إثارة ما يمكن أن يتسبّب في فرقتهم واختلافهم وتنازعهم ، وهو قليل وقليل جدّاً ، وهو في الغالب ممّا يدخل في طي التاريخ والماضي الذي ليس كلّه مجيداً وليس كلّه مشرقاً ، والذي لا يجوز ولا يمكن أن يقرّ عليه الشرع الحنيف في مقاصده وأبعاده العميقة ، إنّما هي توظيف اختلافات وانقسامات الماضي لتعكير صفو الحاضر ، وتسميمه وعرقلة فرص الاجتماع والتوحّد ، لا بدّ أن يلتفت كلّ طرف إلى ما حوله وما وراءه ، فينقّيه من كلّ أسباب بثّ الفرقة والنزاع والفتنة والتعصّب المقيت ، ليكن ذلك من الماضي وليكن الحاضر والمستقبل : تصاف وتآخ وتعاون على البرّ والتقوى وتكامل في الجهود » .
محمّد الطاهر ابن عاشور
محمّد الطاهر بن محمّد بن محمّد الطاهر بن محمّد بن محمّد الشاذلي بن عبد القادر بن محمّد بن عاشور : رئيس المفتين المالكيّين بتونس ، وشيخ جامع الزيتونة وفروعه بتونس ، وأحد روّاد الإصلاح والتقريب .
ولد بتونس سنة 1879 م ، وتعلّم مبادئ العلوم ، وحفظ القرآن الكريم منذ نعومة أظفاره ، والتحق عام 1893 م بجامع الزيتونة لتلقّي العلوم ، ودرس على يد : الشيخ عبد