وكان محمّد الخضر حسين مستنيراً متفتّح الذهن يدعو إلى الإصلاح على أساس قاعدة علمية واضحة ، فهو يعتمد الرأي حيث يثبته الدليل ، ويتقبّل الحكم متى لاحت بجانبه حكمة ، ويثق بالرواية بعد أن يسلّمها النقد إلى صدق الغاية .
ومن رأيه أنّ على العلماء قول كلمة الحقّ لأهل الحلّ والعقد دائماً وعدم التوقّف عنها . . يقول : « لا ينبغي لأهل العلم أن يغفلوا عن سير أرباب المناصب والولايات ، فمن واجبهم أن يكونوا على بيّنة من أمرهم ، حتّى إذا أبصروا عوجاً نصحوا لهم بأن يستقيموا ، أو رأوا حقّاً مهمّاً لفتوا إليه أنظارهم وأعانوا على إقامته . ومن أدب العلماء أن ينصحوا للأُمّة فيما يقولون أو يفعلون ، ويحتملوا ما ينالهم في سبيل النصيحة من مكروه ، وكم من عالم قام في وجه الباطل فأُوذي فتجلّد للأذى » .
وقد كانت حياة محمّد الخضر حسين رمزاً على هذا المعنى ، معنى طلب الحرّية والهجرة من بيئة الظلم ، فقد فرّ من تونس ومن الشام ومن تركيا ، وكان فراره ليحتفظ لنفسه بحقّه في الكلمة . . يقول : « نشأت في بلدة من بلاد الجريد بالقطر التونسي يقال لها « نقطة » ، وكان للأدب المنظوم والمنثور في هذه البلدة نفحات تهبّ من مجالس علمائها . . كان حولي من أقاربي وغيرهم من يقول الشعر ، فتذوّقت الأدب من أُولى نشأتي . وحاولت - وأنا في سنّ الثانية عشرة - نظم الشعر . وفي هذا العهد انتقلت أُسرتي إلى مدينة تونس ، والتحقت بطلّاب العلم بجامع الزيتونة » ، وكان ذلك عام 1899 م ، أحبّ أُستاذه الشيخ سالم أبو حاجب الذي كان يحثّه على البحث ، ويلاقي السؤال المهمّ بابتهاج ، ويدعو للطالب بالتفتّح . . يقول : « كان يقول الشعر مع كونه يغوص على المسائل العلمية بفكر ثاقب » ، وكان الشيخ أبو سالم قد رفض وسام السلطان ووسام الباي ، فأحبّ منه الشيخ الخضر هذا الاعتداد بالنفس ، « بعد أن نلت درجة العالمية أنشأت مجلّة علمية أدبية ، وهي أوّل مجلّة أُنشئت بالمغرب ، فأنكر عليّ بعض الشيوخ ، وظنّ أنّها تفتح باب الاجتهاد ، وشجّعني على إنشائها شيخنا أبو حاجب ، كما شجّعني عليها الوزير محمّد أبو عنّوز » .
كانت خطّته الإصلاح الاجتماعي والديني والعمل لإعادة مجد الإسلام ، ولكنّه لم
موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 219
مساهمون: محمد الساعدي
ص٢١٩