الحدود الفاصلة بين الكفر والإيمان وحدّدها بدقّة ، فإنّ هذه الحالة الغريبة حدثت بقوّة .
وقد ربّى القرآن العظيم الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وأتباعه على التعامل العقلاني والحوار المنطقي والقبول بالتعدّدية الاجتهادية إذا كانت على أُسس شرعية منضبطة ، إلّاأنّ هذه الظاهرة حدثت في ظلّ ظروف عصبية في مطلع الأمر كما في قضية الخوارج . وزاد الجهل والتعصّب الطين بلّة حيث يدخل في عملية الفتوى من ليس أهلًا لها ، فيفتي بغير ما أنزل اللَّه .
وهذا ما شهدناه بكلّ وضوح في الحركات التكفيرية في عصرنا ، ممّا أدّى إلى سفك الدماء البريئة على نطاق واسع باسم الدفاع عن الدين والأُمّة ! وهما من هذه الحالة براء .
رابعاً : التشكيك في نوايا الداخلين في الحوار .
فإنّه لا يحقّق الجوّ الهادئ المطلوب ، ويدفع لنوع من التهرّب أو المماطلة أو تلمّس العثرات ، ممّا يمنع من تحقّق النتيجة المطلوبة . وهذا ما شهدنا نظيره في عمليات الحوار بين أتباع الأديان نتيجة ما يحمله كلّ طرف من تراكمات ذهنية عن الآخر ، فالطرف المسيحي مثلًا يحمل أحقاده الصليبية وإيحاءات المستشرقين بما يسمّونه ب ( الهرطقة الإسلامية ) ، وما يدور في نفسه من هواجس الصحوة الإسلامية التي تنافس مشروعه في السيطرة ، في حين يحمل الطرف الإسلامي سوابق ذهنية كبيرة عن خدمة التبشير المسيحي للاستعمار على مدى قرون .
ولكن العمل الجادّ والتوجّه للتعليمات الإسلامية الهادية والداعية لحسن الظنّ في الأخ المسلم يمنع من أن يلعب هذا العامل دوره في المنع من التقريب ، خصوصاً إذا تمّ على مستوى العلماء العاملين الذين خبر بعضهم بعضاً في مجالات العلم والإخلاص والعمل في سبيل الأُمّة بمجموها .
خامساً : التهويل والتضخيم واستحضار الماضي والتهجّم على المقدّسات وعدم احترام الآخر .
وكلّ واحد من هذه الأُمور يمكن أن يشكّل بنفسه مانعاً من تحقّق الحوار المطلوب ، وبالتالي الوصول إلى التقريب . وقد وجدنا النصوص الإسلامية تتظافر في المنع من هذه
موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 86
مساهمون: محمد الساعدي
ص٨٦