تلك الخطابات عند العلماء المجتهدين .
فلا بدّ للوصول إلى هذه الوحدة الإسلامية من العمل على بعث الشريعة الإسلامية ، والعمل بمقتضى الشريعة الإسلامية ، وإلغاء القوانين الأجنبية التي تسرّبت إلى العالم الإسلامي . فالفرقة التي وقعت للمسلمين لم تقع في صميم قلوب المسلمين ، وإنّما وقعت في هذه الأشياء التي ثرنا عليها ، بسبب جهلنا ، وبسبب اقتدائنا بالغرب ، وبسبب تأثّرنا بالمستعمرين ، وبسبب الاستعمار الفكري الذي أصاب نفوسنا وعقولنا وقلوبنا . ولا يمكننا أن نتحرّر من سيطرة الأجنبي إلّاإذا تحرّرنا من هذه السيطرة الفكرية والعقلية . فلا يمكن لبلاد المسلمين أن تبقى تحكم نفسها بمقتضى شرائع ما أنزل اللَّه بها من سلطان ، بمقتضى قوانين وضعها الأجانب لبلادهم ، وقد يكون فيها شيءء من الخير ، وقد يكون فيها شيءء من العدل ، ولكنّها ما دامت لا تنطبق على أُصول الشريعة الإسلامية وعلى قواعدها ، وما دمنا لا نحكم بها على أنّها شريعة إسلامية إلّاونحن مذنبون خارجون عن واجب المسلمين ، ولا يمكن للجماعة الإسلامية في الأرض أن تتّحد اتّحاداً كاملًا إلّاإذا وحّدت شرائعها ، إلّاإذا ألغت هذه التشريعات الأجنبية مهما كان أمرها ، ثمّ عادت فنظرت في أمرها ، وأحيت الفقه الإسلامي وتدارسته وتعلّمته ، والمواطنة الإسلامية تضامن بين جميع المسلمين ، « فالمسلم للمسلم كالبنيان يشدّ بعضه بعضاً » كما في الحديث الشريف . وقد قال صلى الله عليه وآله : « مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى » ، فالمسلمون يد واحدة وأُمّة واحدة وجماعة واحدة ، والعمل الذي يقوم به كلّ فرد منهم إنّما هو جارحة من جوارح الأُمّة بأجمعها ، عضو من أعضاء الأُمّة يقوم ببعض أعمال الأُمّة ، وفي الحقيقة الأُمّة هي التي تقوم بذلك ، فنحن أُمّة واحدة وكتلة متّحدة :
إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ
( سورة الأنبياء : 92 ) ،
وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ
( سورة المؤمنون : 52 ) . إذاً الأُمم الإسلامية كلّها - إذا صحّ أن نسمّيها أُمماً أو أن نطلق عليها شعوباً كما يعبّرون اليوم - إنّما هي في الحقيقة شعب واحد ، هو الشعب المسلم من أرض الصين إلى جنوب أفريقيا » .
( انظر ترجمته في : الأعلام للزركلي 4 : 246 - 247 ، موسوعة السياسة 4 : 158 ، النهضة الإسلامية