نبوغه مبكّراً ممّا جعله محلّ إعجاب شيوخه وكبار رجال عصره ، مثال الوفاء ، وخاصّة لصديق عمره وزميله الشيخ عطا الكسم ، عملا معاً على حفظ القرآن الكريم ، ولم تغيّر المناصب ما بين الصاحبين ، بل كانا يتوادّان ويتشاوران فيما يعرض لهما من أُمور ، وكان الشيخ عطا المفتي لا يبثّ أمراً إلّابمشورته .
وكان بارّاً بوالديه يحبّهما ، وقد حدّثوا عنه أنّه كان ذات مرّة في قافلة الحجّ ومعه والدته ، وفي بعض الطريق اشتهت أن تأكل جبن ( القشقوان ) ، وبحث طويلًا عمّا تريد حتّى وجد جبناً مع الشيخ عبد الرحيم دبس وزيت الذي كان يرافق القافلة . . وبعد مدّة عزّ الماء وقلّ ، وعطش الشيخ عبد الرحيم عطشاً شديداً ، وخطر له أن يستسقي المترجم ، فبحث عنه ، وطلب منه ماء على استحياء خشية أن يثقل عليه ، فقال له : « كيف لا أُعطيك ماءً ، وكنت أنت سبب رضاء أُمّي عليّ وابتهاجها ؟ ! » .
قدّره السلطان رشاد كلّ التقدير ، فقد اتّفق أن ذهب في أثناء الحرب العالمية الأُولى مع الهيئة العلمية برئاسة الشيخ أبي الخير عابدين مفتي الشام إلى إسطنبول للاطّلاع على أحوال الجنود العرب في الجيش التركي المرابط في الدردنيل ، فطلب منه السلطان إلقاء درس في جامع السلطان على غير استعداد منه ، فلبّى ودار الموضوع حول الحديث الشريف : « إنّما الأعمال بالنيات » ، وحضر الدرس كبار العلماء والأُمراء والقضاة وكبار رجال الدولة وطلّاب العلم يزيد عددهم عن خمسة آلاف ، فاستحوذ على إعجابهم كلّهم ، ثمّ أقام السلطان رشاد حفلًا تكريمياً للوفد ، وخصّ المترجم بأكبر قسط من الحفاوة والرعاية ، وتقدّم إليه فقبّل يده أمام الأُمراء والوزراء ، وهذه أوّل مرّة تقع من سلاطين بني عثمان الأواخر . وكان يرافقه في الوفد الشيخ عبد القادر الخطيب ممثّلًا عن خطباء دمشق ، والشيخ تاج الدين الحسني نيابةً عن والده الشيخ بدر الدين ، والسيّد عطا العجلاني نقيب الأشراف .
أحبّ العلماء وروى قصصهم ، وقد عاصر بعضها ، وهو يتحدّث عن وقوفهم في وجوه الطغاة . لم يعرف التعصّب أبداً ، بل كان يتبادل الرأي مع صديقه السيّد محسن الأمين
موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 693
مساهمون: محمد الساعدي
ص٦٩٣