تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 686

مساهمون:

ص٦٨٦
العقائد وأُصول الدين ، ويحتمون الاعتصام فيها بالمأثور ؛ سدّاً لذريعة الفتنة ، وحرصاً على وحدة الأُمّة ، وتفرّغاً لما فيه عزّهم وسعادتهم وارتفاع شأنهم ، ولذلك كانوا أقوياء ذوي عزّة ومهابة أشدّاء على الكفّار رحماء بينهم . ولكن المسلمين لم يلبثوا أن انحرفوا عن هذه السبيل ، واتّخذوا من خلافاتهم عصبيات جامدة لا تعرف التفاهم ، ولا تنزل عن حكم البرهان والعقل ، وكانوا باختلافهم المذهبي كالمختلفين في الدين ، يتبادلون سوء الظنّ ، ويتراشقون التهم جزافاً ، وينظر بعضهم إلى بعض في حذر وحيطة ، بل أفضى بهم ذلك في كثير من الأحيان إلى التضارب والتقابل وسفك الدماء ، وبذلك انحلّت عرى الأُمّة ، وانفصمت وحدتها ، وقدر عليها أعداؤها ، ونزع اللَّه هيبتها من القلوب ، وأصبحت غثاء كغثاء السيل ، وانقلب الخلاف الذي كان رحمة ونعمة إلى بلاء وشرّ وفتنة ! وصار مثله كمثل الخلاف في الأُصول والنزاع على الأُسس الأُولى للإيمان . ولقد كان رسول اللَّه صلى الله عليه وآله يخشى هذا التفرّق ويحذّر منه ، وكان يشبّه المؤمنين بالجسد الواحد ، ولم يكن شيءء أبغض إليه بعد الكفر باللَّه من الاختلاف في التنازع ولو في الأُمور العادية . إنّ هذه الأُمّة لن تصلح إلّاإذا تخلّصت من هذه الفرقة ، واتّحدت حول أُصول الدين وحقائق الإيمان ، ووسّعت صدرها فيما وراء ذلك للخلافات ما دام الحكم فيها للحجّة والبرهان . ولقد أدركنا في الأزهر على أيّام طلبنا للعلم عهد الانقسام والتعصّب للمذاهب ، ولكن اللَّه أراد أن نحيا حتّى نشهد زوال هذا العهد وتطهّر الأزهر من أوبائه وأوضاره ، فأصبحنا نرى الحنفي والشافعي والمالكي والحنبلي أُخواناً متصافية ، وجهتهم الحقّ وشرعتهم الدليل ، بل أصبحنا نرى بين العلماء من يخالف مذهبه الذي درج عليه في أحكامه ؛ لقيام الدليل عنده على خلافه ، وقد جرّبت طول مدّة قيامي بالإفتاء في الحكومة والأزهر - وهي أكثر من عشرين سنة - على تلقّي المذاهب الإسلامية ولو من غير الأربعة المشهورة بالقبول