ومدنية معاً ، ولا يقتصر الأمر فيه على ما يصلح الآخرة وحدها ، بل يدخل فيه ما يصلح الدنيا أيضاً ، بل إنّ العبادات أيضاً يُقصَد منها في الأكثر أُمورٌ تعود علينا بالمصلحة في دنيانا قبل أن تعود علينا بشي في أُخرانا .
وهكذا نجد أنّ فهمه للتجديد يراد منه النهوض الديني والمدني ، وهو يتعدّى من المسلمين إلى من يعاصروهم ، كما حصل من قيام النهضة الأوربّية بتأثير النهضة الإسلامية .
ومن هذا المنطلق نجده في بحثه عن تاريخ المجدّدين في الإسلام يدرسه على أنّه تاريخ نهوض المسلمين في أُمور دنياهم قبل أن يكون نهوضهم في أُمور أُخراهم ، ولهذا لا يهتمّ فيه بالمجدّدين إلّامن يعمل لهذه الغاية .
والمجدّد عنده ينبغي أن يكون بعيداً عن التعصّب الممقوت ، « فلا محلّ للتعصّب في باب التجديد والمجدّدين . . فلا يصحّ أن يكون لمذهب ( المجدّد ) في الدين أثر في غايته من التجديد ، بل يجب أن ينظر في دعوته إلى المسلمين جميعاً ، فلا يميّز فريقاً على فريق ، ولا يقصد بالتجديد فرقة دون فرقة ، بل يسعى في خير المسلمين جميعاً » .
وينتقد الصعيدي مفهوم التجديد لدى محمّد رشيد رضا ، ويعيب عليه جنوحه كثيراً إلى مدرسة ابن تيمية ، الأمر الذي جعله يكره التأويل ويطعن في المشتغلين بالفلسفة من فلاسفة المسلمين . ويرى الصعيدي أنّ جنوح رشيد رضا إلى مدرسة ابن تيمية وجعله إمام المجدّدين فيما بعده من القرون يخالف مفهوم الإصلاح الذي كان يدعو إليه ، ويقلّد فيه جمال الدين الأفغاني ومحمّد عبده ، والذي يقوم على أساس الجمع بين علوم الدين والدنيا على الطريقة الأوروبّية . وهذه الطريقة تناصر الفلسفة وعلومها ؛ لأنّ حضارة أوروبّا لم تقم إلّا على أساس هذه العلوم ، « ومن يذهب في الإصلاح الحديث ذلك المذهب لايصحّ أن يكون ابن تيمية إماماً له فيه ؛ لأنّه كان رجعياً في هذه الناحية ، بل يكون الأجدر بالاقتداء في هذا الإصلاح الحديث من السابقين ابن رشد الحفيد ؛ لأنّه هو الفيلسوف الفقيه الذي جمع بين علوم الدين وعلوم الدنيا وآخى بين الدين والفلسفة ، ولو قامت مدرسة بعده واستمرّت كما استمرّت مدرسة ابن تيمية لكنّا أسبق إلى النهضة الحديثة من أوروبّا ، ولم نقع
موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 682
مساهمون: محمد الساعدي
ص٦٨٢