كالشئ المنظور في مرايا ذات أوضاع ، فهو هو ، وإن كان على أنحاء وأشكال .
وقد أحسن العرفانيّون من الهنود صنعاً حين أسموا مثل هذه البادية : « وحدة الكثرة » ، وأزجوا لها مثل التينة حين جاءت متوحّد بزور لا تحصى ، وهي هي الحبّة ذات النكهة والطعم .
وعبر بي الذهن إلى ما قبل المذاهب ونشوئها في الإسلام لأقع على معنى ما أجمله وأكرمه عند شاعرنا الكميت بن زيد الأسدي في البائية من هاشمياته يخاطب النبي :
بك اجتمعت أنسابنا بعد فرقة * فنحن بنو الإسلام ندعى وننسب
صاحبنا الكميت تهدّى إلى معنى عضوي جديد للجمهرة الإسلامية الكبرى ، فليست هي عنده حشود تلفّها حشود ، ولا بنود تتبعها بنود . . بل هي متجسّد ذوب كلّ العروق والأنساب ليكونوا بني أب واحد ، قد يختلفون دونه ، ولكن أبداً لا يختلفون عليه .
مفهوم عميق جميل أن يعيه الناس ويحيونه حياة إنتاج كما يشاء لهم الفلاح « حيَّ على الفلاح » ، وحياة تبتّل كما يشاء خشوع الشهود في الصلاة « حيَّ على الصلاة » .
فهذه الجمهرة الإسلامية الكبرى وفق عبارة الحديث النبوي : « كالجسد الواحد » حركة السكون فيه كسكون الحركة ، بل قل معي : قوانين الإستاطيقا فيه ترفد قوانين الديناميقا ، لشلّال تكامل يصبّ في المدى الدائم أو ديمومة المدى ، وينبسط انبساطه في الكائن الإسلامي الكامل ، أو كما دعوته قديماً « المسلم القرآني » ، وذلك في كتاب : « سمو المعنى في سمو الذات » ، الصادر سنة 1939 م بالقاهرة . .
ولا أقول : التداخل التلفيقي ، فللمذاهب شخصيتها ، كما أوماً إليه بل صرّح به الإمام مالك لأبي جعفر المنصور . . وهي ، وإن مختلفة ، تتشكّل في المغزى الغائي « رحمة » ، كما عبّر الحديث النبوي .
فما يرتَج دونك بابه في مذهب تجده مشرع الأقفال والأغلاق في مذهب آخر . . وعلى هذا النحو يطلّ المسلم المنفتح سيّد نفسه في مسعاه وسلوكه ، وذلك في طمأنينة وراحة ضمير مصداقاً لحديث : « بأيّهم اقتديتم اهتديتم » .