تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 648

مساهمون:

ص٦٤٨
نوره ، فخرج الناقد المتعجّل غاضباً . وهنا أدركت أنّ الشيخ أبا غدّة يلاقي بلاءً من أدعياء المعرفة ، فحرصت على أن أُشيد به في كلّ مجلس ، وهو لا يعلم بهذا لأنّي أنشد الحقّ دون اهتمام بعمرو أو زيد ، ولأنّ « الأرواح جنود مجنّدة ، ما تعارف منها ائتلف ، وما تناكر منها اختلف » ، فقد أدرك الرجل بإلهامه البصير ما أكنّه له من حبّ ، فكنت أتلقّى سلامه على البعد شاكراً ، وأُبادله مثله صامتاً ، وهو مذهب خاصّ بنفر من الناس تتعارف لديهم الأرواح ، ولا تتلاقى الأشباح . وقد كانت أنباؤه العلمية تفد إليّ ، فكان أعجب ما أعجب من أمره هو صبره الملحّ الدائب على الرحلة الطويلة المستمرّة إلى شتّى بلاد الإسلام شرقاً وغرباً ، مع ما يتحمّله المسافر من وعثاء الطريق ووحشة العشير ، ولكن حبّ المعرفة دفعه إلى تحمّل الصعاب رائحاً غادياً ، وقد سهّل اللَّه له العسير ، فصادق من ذوي الفضل في هذه الربوع الشاسعة من لا يجتمعون لعالم واحد إلّافي الندرة النادرة ، وقرأ من نفائس المخطوطات عربية ودينية ما عزّ على غيره أن يسمع باسمه ، فضلًا عن أن يقرأ صحيفة منه . وأذكر أنّه روى عن علماء الهند من التحف العلمية ما كنت غير متصوّر لوجوده ، كما تحدّث عن أئمّة هناك لم تصل إليّ أسماؤهم فضلًا عن مؤلفّاتهم ، وبسبب ما كتب عن هؤلاء أخذت أُحاول التعرّف إليهم ، وأجمع ما أستطيع جمعه من أخبارهم ، وهيهات أن أصل إلى ما يعلمه الرجل الكبير عن هؤلاء الكرام . وما زلت أذكر قول صديقي الأُستاذ الدكتور عبد القدّوس أبو صالح منذ ثلاثين عاماً عن الشيخ أبي غدّة بأنّه من كبار شيوخ الحديث في هذا العصر ، وقد كان هذا منذ زمن بعيد ، فماذا يقول عنه الآن ! وقد بلغت مؤلّفاته في الحديث وحده ثلاثين مؤلّفاً ، وهي مؤلّفات لا تجمع ولا تحشد كيفما اتّفق ، ولكنّها تهدف إلى جلاء الغامض تارةً ، وإلى تصويب الخطأ تارةً ، وإلى إضافة الجديد تارةً ثالثة ، بحيث يسدّ كلّ كتاب مسدّاً ضرورياً لا مفرّ منه . ولا أنسى في هذا المجال النقدي حديثه عن « سنن الدارقطني » ، وما قاله كبار المحدّثين بشأنها ، إذ جمعت هذه السنن أحاديث شتّى من ضعيفة وموضوعة ، ومكانة