الفاتحين منذ عقبة بن نافع إلى أن أتمّ اللَّه نوره في هذه البلاد ، وهو في كلّ حديث يمزج روائع الماضي بأحلام الحاضر وأمانيه ، وقد وصفته الصحف حينئذٍ بأنّه ابن خلدون الجديد .
أمّا الزيارة الثانية فكانت سنة 1931 م حين انعقد مؤتمر إسلامي خاصّ بمأساة فلسطين ، وقد شهده زعماء الإسلام في العالم كلّه ، وقد هبّت على المؤتمر زعازع تعصف بمهمّته الأُولى ؛ إذ اعتبرته بعض الدول مناهضاً لسياستها ، وقد طار الحاجّ أمين إلى مصر ليبدّد هذا الوهم ، وكان ترتيب المؤتمر من بدئه إلى نهايته وفق اقتراحات عبد العزيز الثعالبي ، وطبيعيٌّ أن تحيطه المكايد الصهيونية بدواهيها الشرّيرة ، وقد أخذ الثعالبي على عاتقه أن يفضح هذه المكايد ، وكانت صلاته الشخصية بزعماء العالم الإسلامي ممّا جعلته موضع الثقة فيما يُبديه من ملاحظات ، وقد اعترفت بذلك اللجنة التنفيذية للمؤتمر ، ومن أعضائها : أمين الحسيني ، وشكري القوتلي ، ورياض الصلح ، ومحمّد علي علّوبة ، ومحمّد رشيد رضا ، وغيرهم من كبار المجتمعين .
أمّا زيارة الثعالبي للعراق فكانت مصدر عطاء ثقافي ممتدّ ؛ لأنّ الملك فيصل الأوّل كان على صلة به قبل أن يعتلي عرش العراق ، وقد رأى فيه نصيراً قوياً لليقظة العربية والصحوة الإسلامية ، فأرسل يستدعيه سنة 1925 م من الهند ليكون أُستاذاً بأحد المعاهد العالية ببغداد من الوجهة الرسمية ، وليمدّ الأندية العلمية بنشاطه المتّصل ، فتكون محاضراته مبعث يقظة فكرية تُنتظر من مثله .
وسرعان ما لبّى الثعالبي الدعوة ، واتّجه إلى بغداد مارّاً بإمارات الخليج ؛ إذ كان من همّه أن يزور كلّ إمارة ( محميّة ) ليعلم ما هي عليه من الوعي السياسي والتطلّع الحضاري ، وفي القوم من يعرف مكانه القيادي ، فكانوا يستقبلونه استقبال العالم المجاهد المصلح ، حتّى قضى أرباً من حاجته المتطلّعة ، فاتّجه إلى بغداد ، وكان القوم على علم بمقدمه ، فأعدّوا حفلة رائعة لاستقباله ، وأُقيمت بدار سينما رويال أكرم حفلة استقبال حضرها الوزراء والأعيان والكتّاب ، وفي مقدّمة المحتفلين شاعرا العراق الكبيران جميل صدقي الزهّاوي
موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 634
مساهمون: محمد الساعدي
ص٦٣٤