الإسلامية ويتحدّث ممثّل كلّ دولة عن همومها الموغلة في التعقيد ، فإنّ الثعالبي نادى بسرعةٍ بقيام هذا المؤتمر الإسلامي عملياً لا خيالياً ، فأعلن أنّ الإصلاح لا يتمّ بمقالات متفرّقة تُنشر في الصحف ، فلا يقرؤها غير نفر قليل من قطر واحد وهو الذي تذيع فيه الجريدة ، إنّما الإصلاح بدعوة ممثّلين مستنيرين من كلّ بلد إسلامي إلى مؤتمر عامّ ، واقترح أن يكون المؤتمر في بلد محايد كسويسرا أو النرويج ؛ ليأمن شرّ الهيمنة الاستعمارية ومحاولة توجيهه وجهة مخطئة إذ ذاك ، وإنّما اختار قطراً أوروبّياً لا شرقياً ؛ لما يتبع ذلك من انجذاب مراسلي الصحف وشركات الأنباء إليه ، فتكون الدعاية العالمية له وسيلةً من وسائل النجاح ، على أن يُحدِّد المؤتمر في ختام موعد انعقاده المؤتمر التالي ومكانه في مدى لا يقلّ عن عامين ؛ ليرى المؤتمرون ما تمّ في هذه المدّة من تنفيذ لقرارات المؤتمر الأوّل .
هذه الدعوة الملحّة إلى عقد مؤتمر إسلامي لم تجد التنفيذ الذي رسم الثعالبي خطوطه بإحكام ، بل عُقدت مؤتمراتٌ أُخرى ، لا لتبحث مشكلات العالم الإسلامي بعامّة ، بل لينحصر البحث في جزئيّة خاصّة ، كقضية الخلافة وغيرها ، ولم تأتِ هذه المؤتمرات بنتيجة حاسمة ، بل كانت مصدراً من مصادر الخلاف ، وهذا ما تخوّف منه الثعالبي حين دعا إلى عقد المؤتمر في دولة أوروبّية محايدة ، وإلى أن يكون المؤتمرون مستقلّي النظر بعيدين عن تمثيل حكوماتهم الرسمية ؛ لأنّ المبعوث الموفد من جهة رسمية إنّما جاء لينطق بلسانها الخاصّ دون نظر إلى الصالح العامّ .
وقد أكّد الثعالبي أنّ من الخير أن تكون أعمال المؤتمر تحت سمع أوروبّا وبصرها ؛ لتعرف قوّة الأُمم الإسلامية مجتمعة ، ثمّ لا تستطيع دولة استعمارية أن تحرّف القرارات أو تفسّرها وفق ما تشاء ، وإذا تمّ ذلك فإنّ خطوات العلاج لكافّة أدواء المسلمين ستبدأ السير في الطريق الصحيح ؛ إذ تُكشف الموانع وتُحدّد الوسائل وتتّضح الغايات .
وقد تنبّأ الثعالبي بعد الحرب العالمية الأُولى بانهيار المدنية الأوروبّية ؛ لأنّها لا ترعى العدالة ، ولا تنظر إلى العالم بالمقياس الخلقي ، فالأُمم التي انتصرت في الحرب قد انقلبت
موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 632
مساهمون: محمد الساعدي
ص٦٣٢