تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 631

مساهمون:

ص٦٣١
يستمع إليه أحد ! وحين رأى الثعالبي محاولة بعض المثقّفين الارتماء في أحضان الثقافة الغربية دون رجوع إلى أُصولنا الراسخة في مقرّراتنا الدينية التي لا خلاف عليها ، استمع إلى ما يقال ، ثمّ كتب عدّة مقالات تُبيّن الوجهة الصحيحة للرقي الحضاري ، ومحو آثار التخلّف الإسلامي مُقارناً بالسبق الأوربّي ، ولم تنقصه قوّة الحجّة حين أكّد أنّ المسلمين لا ينقصهم العلم بحياة الأُمم ، ولا الإحاطة بأسباب ترقّيها ، خصوصاً بعدما اشتهرت في العالم الإسلامي قواعد علمي الاجتماع والنفس ، ودُوّنت أحداث الانقلابات الأوروبّية المعاصرة ، وإنّما ينقصهم أن يعرفوا قابلية الأُمم واستعدادها لتلقّي ما يتناسب مع حالاتها وأوضاعها . فليس من الحكمة أن نترسّم في معالجة أدواء الأُمم الإسلامية اليوم كلّ الخطط التي جرت عليها أوروبّا في نهضتها ؛ لأنّ ظروفنا غير ظروفها ، والموانع التي تعوقنا غير الموانع التي تعترض تقدّمها ، فقد كانت النهضة الأوروبّية التي بدأت في القرن الخامس عشر تسير في منهجها ، وليس عليها رقيب من الأُمم التي تنافسها ، ولم تطوّق بشرائع ظالمة يُمليها عليها أعداؤها وخصومها ، كما هو حاصل في البلاد الإسلامية اليوم ، وكانت أُمم أوروبّا سليمةً من كلّ تدخّل أجنبي ، ومن دعايات ذيول المستعمرين ، وهي أنكى فتكاً في نفوس الشبيبة من دعايات المستعمرين أنفسهم ، وهذا هو السرّ في إخفاق النهضات الإصلاحية في البلاد الإسلامية ؛ لأنّ محاولة احتذاء الغرب في كلّ وسائل نهضته لا تأتي هنا بالثمرة المرجوّة . وهذا الكلام يؤكّده الثعالبي قبل أن تنقشع غيوم الاستعمار السياسي عن دول الإسلام ، فهو يرى الخطر الجاثم في كلّ قطر إسلامي هادفاً إلى عرقلة حركات الإصلاح ذات المنزع الإسلامي . . وقد هتف الثعالبي بآرائه حين كان ركب متواصل السير في الصحف العربية يدعو إلى احتذاء كلّ شيء أوروبّي ، ويقول : إنّ الحضارة الغربية هي العلاج بخيرها وشرّها ، وأعجب شيء أن يعترف القائلون بوجود الشرّ في حضارة أوروبّا ، ثمّ تدعو أقلامهم إلى احتذائه ، فأيّ شطط يفوق هذا الشطط ! وإذا كان عبد الرحمان الكواكبي قد عقد مؤتمراً خيالياً في أُمّ القرى يجمع الشعوب