أرهقه وأثقل ديونه ، ولكنّه كان يرى ذلك ضريبةً مفروضة على كلّ مكافح !
لقد ساءه أن تحتلّ إيطاليا ليبيا سنة 1911 م ، فعمل على جمع المعونات المالية ، ونادى بضرورة الإسهام في القتال الدائر بطرابلس ، وكأنّما رأى المستعمر الفرنسي أنّ هذا النشاط لا يحمل بغض المستعمر الإيطالي وحده في ليبيا ، بل يدعو إلى الثورة داخل البلاد ، فحاول إغراء الثعالبي بمنصب كبير في بلده ، ولكنّه رفض العرض هازئاً ، فقبض عليه الفرنسيّون ، وطردوه من البلاد ، وكان ذلك عودةً لنشاطه المعهود في الأُمم المجاورة في الشرق والدول المستعمرة في الغرب .
ثمّ أُعلنت الحرب العالمية الأُولى ، فكان دمار أوروبّا الشامل بكوارثها أقوى دليل في يد الثعالبي على فساد الحضارة الأوروبّية ، وكأنّ هذه المجزرة البشرية المريعة قد أمدّته بأقوى البراهين التي لا تُنقض ؛ إذ جعلت من كانوا يتزعّمون قيادة الشعوب في ركب المدنية وحوشاً بين أدغالٍ ! وهنا ركن المفكّر الحكيم إلى قلمه ليشرح مصائب الشرق والغرب معاً :
مصائب الشرق في التفرّق والجمود ، ومصائب الغرب في العدوان والانتهاب !
يقول الدكتور محمّد رجب البيّومي : « وإذا كنتُ أُعنى دائماً بعرض أفكار من أتحدّث عنه ، فإنّي أجد فيما كتبه الثعالبي في هذا المجال نِدّاً عظيماً لأمثال جمال الدين الأفغاني ومحمّد عبده وعبد الرحمان الكواكبي ؛ لأنّ هؤلاء المخلصين قد عرفوا مكامن الضعف في تخلّف الشرق ، ودواعي الابتزاز في تسلّط الغرب ، ووضعوا الأدوية الشافية لعلل الشرق المستعصية ، وقد اتّفقت أفكارهم اتّفاق آمالهم الطامحة وهمومهم المشتركة ، وليس اتّفاق النقل والاحتذاء ، فلكلّ منهم خاطره المستقلّ ونظره السديد . .
وبعض المجاهدين لا يتعمّقون في أحاديثهم الوطنية ، بل يكتفون بالتعبير عن مشاعر الجماهير ، فالسامع يُعجب بهم عاطفياً ؛ لأنّهم يعبّرون عن مشاعره ، فإن زادوا شيئاً فممّا يسهل تصوّره للنظرة الأُولى ، ولكن الثعالبي ليس من هذا الطراز ، فالرجل بحّاثة مشغوف بدراسات مختلفة من تاريخية وسياسية واجتماعية وتشريعية ، وقد ظهر أثرها في نظراته التوجيهية ، فهو في أكثر أحاديثه أُستاذ دقيق النظرة واسع المدى ، وقد اقتنع اقتناعاً تامّاً بما
موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 629
مساهمون: محمد الساعدي
ص٦٢٩